فإن قيل: إن عيسى - عليه السلام - رفع إلى السماء كما قال تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران 55] ؟
قلنا: قد أعطى محمداً - صلى الله عليه وسلم - ذلك على أكمل الوجوه فإن الله رفع محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى فوق سبع سماوات, وإلى سدرة المنتهى, وخرق من الحجب ما شاء الله, ورأى من آيات ربه الكبرى ولم يُتوفه, وسأله عما يختصم فيه الملأ الأعلى فأخبره وعلّمه مالم يعلّمه غيرَه وعاد ببشرى من الله تعالى وقد أعطاه مالم يعط أحداً من النبيين الأولين والآخرين مع أن بعض أصحابه قد رفع إلى السماء فإن جعفر بن أبي طالب لما قاتل يوم مُؤتَة وقُطِعت يداه وقُتل جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة, وعن عامر بن الطُّفَيل أنه رأى عامر بن فُهيرة يوم بئر مَعُونة حين قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر السماء بينه وبين الأرض.
ومما يدخل في هذا الباب حديث حنظلة بن أبي عامر الرّاهب فإنه يوم تزوج بِجَميلَة بنت عبد الله بن أبيّ ابن سلول دخل بها بعد أن صلى الصبح وذلك يوم أُحُد, ثم خرج يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأُحُد, فأرسلت إلى أربعة من قومها فأشهدتهم أنه قد دخل بها, فقيل لها في ذلك, فقالت: رأيت كأنّ السماء فُرجت له فدخل فيها ثم أطبقت فقلت: هذه الشهادة وعلقت بعبد الله بن حنظلة, فلمّا قتل حنظلة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضّة» , قال أبو أسيد الساعديّ: فذهبنا فنظرنا فإذا رأسه يقطر ماء
فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فأرسل إلى امرأته يسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب فولده يقال لهم بنو غسيل الملائكة؛ وقد طهّر الله تعالى محمّداً - صلى الله عليه وسلم - من كل شين, وخصّه وجمّله بكل زين, وقد جعل الذين اتبعوه فوق جميع الخلق منزلةً وقدراً إلى يوم القيامة كما أشرنا إليه من حديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق إلى يوم القيامة ... » الحديث.