فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 93

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}

وأما قوله في عيسى - عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 48 - 51]

قلنا: هذه معجزات عظيمة, وآيات كريمة, ومرتبة جسيمة, ولنبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلها وأعظم, وزاد عليها في الفضل وتمّم, فإن الله تعالى أنزل على محمّد - صلى الله عليه وسلم - كتاباً مصَدِّقاً لما جاء به موسى, ومقرِّراً لما أنزل على عيسى, وشاهداً للنبيّين بالصّدق والنّبوة, ولولا كتابه لما ظهرت لنا لنبوتهم قوّة, فكتابه فيه ما في كتبهم وزيادة, ولِصدْقهم فيما ادعوه أكبر شهادة, ونسَخ الله تعالى به من شرائع مَن قبله ما شاء, وأحلّ ما شاء, وحرّم ما شاء, ورفع (فيه) عن أمّته ما كان من الآصار والأغلال على من قبلهم, وجَمع فيه نَبَأ ما كان وما يكون, وجعله يُحفظ ويتلى بخلاف غيره من الكتب المنزلة فإنها كانت تكتب في الصحف ولا تحفظ في الصدور, وتكفّل الله تعالى بحفظ هذا الكتاب بنفسه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9]

فكتاب محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن أعظم معجزاته, فليس لنبيّ معجزة مثله, وقد تحدّى الله - عز وجل - به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فلم يقدروا, وعلى سورة من مثله فلم يستطيعوا, فهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, لا تفنى عجائبه, ولا يَخلقُ على كثرة الرّدّ, فهو معجزة قائمة إلى يوم القيامة, كل نبيّ انقضت معجزته بموته ومعجزة محمّد - صلى الله عليه وسلم - قائمة إلى يوم الدين, شاهدة بمعجزة مَن قبله, ولولا ذلك لم يمكن أحداً من أهل الأديان إقامة دليل على نبوّةٍ ولا معجزة لتبديل الكتب وانقطاع السَّند الصحيح لمن قبل هذه الأمّة, فرسالة محمّد - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرها الله تعالى رحمة للعالمين؛ وأما الحكمة فكان كلام محمّد - صلى الله عليه وسلم - كلّه حِكَم حتى ما يفاوض به الأطفال

كقوله: «يا أبا عُمَير ما فَعل النُّغَير» لنُغَرٍ كان يلعب به فمات فرآه حزيناً فقال له ذلك, فكُتب عنه ودُوّن وصُحّح, فاعترض بعض الزنادقة والملحدين وقال: وأيّ فائدة في هذا الكلام حتى نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! فانتدب له بعضُ من نوّر الله قلبه بالإيمان وملأه من الحكمة فاستخرج من هذا الحديث ما يزيد على مائة حُكم من أحكام الشريعة المحمّديّة, وقد قال الله تعالى لأزواج محمد - صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب 34] فالآيات: القرآن, والحكمة: كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -, وهذا باب واسع تكلّ الألسنة والخواطر عن إدراك ما اشتمل عليه كلامه من الحكم, فكان ما أوتي (عيسى) - عليه السلام - بل وغيره من النبيين عليهم السلام من الحِكَم داخل فيما أوتي نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الحكم, وكان أمره بالتبليغ للأمّة بالحكمة والموعظة الحسنة, هذا مع ما أوتي رسول الله- صلى الله عليه وسلم - من الفصاحة, والبلاغة, وجوامع الكلم, وفواتحه, وخواتمه, وما اختُصر له من الحكمة, وما أوتي عيسى من تعليمه التوراة, والإنجيل, وإرساله إلى بني إسرائيل, فإن نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - أوتي القرآن المجيد الذي استوعب ما في الكتب كلّها وزاد عليها كما تقدّم, وأرسل إلى الخلق كافة, وكان الأنبياء قبله يبعث النبي إلى قومه خاصّةً, وقال الله تعالى لمحمّد - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ 28] .

وأما خَلق عيسى - عليه السلام - للطير بإذن الله ونفخه فيه فيصير طيراً يطير, فليس ذلك بأعظم من حنين الجذع وهو خشبة يابسة, وتسليم الأحجار والأشجار عليه وهي من الجمادات, وقلب الأعيان وصَيُّورُهَا إلى حالة أخرى, كما ذكر أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة: أن عكاشة بن محصن انقطع سيفه يوم بدر فدفع إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جذلاً من حطبٍ وقال: «قاتلْ بهذا» فعاد في يده سيفاً شديد المتن, أبيض الحديدة, طويل القامة, فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين ثم لم يزل يشهد به المشاهد إلى أيّام الردّة. وأمّا ما كان عيسى - عليه السلام - يخلق من الطين كهيئة الطير فإنه كان يطير حتى يغيب عن العيون ويعود إلى ما كان أوّلاً في ساعته, والجذع الذي حَنّ إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم - حتى جاء فاحتضنه فسكن قال: «لو لم أحتضنه لَحَنّ إلى يوم القيامة»

فهذا أبلغ وأعظم في إحياء الميت, وكذلك التّسبيح والتقديس والتهليل من الحجر الأصمّ في يده, وشهادة الأحجار والأشجار له بالنبوّة كلّما مرّ بها وتسليمها عليه بالرسالة, وطاعة الأشجار له في المجيء إليه لما دعاها ورجوعها إلى محلها حين أمرها بالرجوع, ونزول العذق من النخلة عن أمره وصعوده إلى محلّه كما كان بقوله أبلغ من إحياء ميتٍ قد كان عهد منه حياة, وأيضاً فإن الصُوَر أدخل في باب الحياة وما يترتب عليها من الحركة والكلام وغير ذلك من الأشجار والجمادات, ولهذا نهى عن التصوير لما فيه الروح خوفاً من الفتنة به كما عُبدت الصُّور التي صَورها قوم نوح ومن بعدهم لدخول الشياطين فيها, وعيسى - عليه السلام - إنما أذن له في ذلك لإظهار معجزته التي يدعو إلى الله تعالى وإلى توحيده وعبادته بها, فجريان الأرواح في الصُّوَر أمر معهود, فأمّا في الأحجار والأشجار فلا, وأما إحياء عيسى - عليه السلام - الموتى بإذن الله فإنه كان يمر بالميت أو بالقبر فيصلي ويسأل الله أن يحييه فيحييه ويكلّمه ما أراد ثم يعود ميتاً كما كان.

ففضيلة محمد - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب أعظم, فإن قتادة بن النعمان لما أصيبت عينه يوم أحد فجاء وهي في يده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال: يارسول الله إني رجل مبتلى بحب النساء وأخاف أن يقلن بأعور فلا يردنني فادع الله تعالى لي أن يردها علي, فقال: «إن شئت صبرت واحتسبت فلك الجنة, وإن دعوت الله تعالى فكانت كما كانت» فقال: بل ادعُ لي بالجنّة وأن يردّها عليّ, فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - فردّها إلى مكانها فعادت أحسن عينيه وأحدّهما: يعني نظراً-؛ فإنّ إحياء العضو الواحد الذي بان عن الجسد وانفصل عنه زماناً وأُيس من عوده غير معهود ولا جرت عادة بذلك, بخلاف ما إذا أصيب العضو وهو قائم بالجسد فإن تلافيَه بالمداواة معتاد معهود, والصرع الذي يعم البدن فيبقى صاحبه ميتاً أو كالميت يمكن تلافيه بالأدوية والرُّقا ونحو ذلك, ولا يمكن إلصاق اليد إذا بانت وبردت ولا إلصاق الرِجل ولا الرأس ولا نحو ذلك من سائر الأطراف, فكان إعادة مالم تجر العادة بإعادة مثله أبلغ في المعجز؛ وكان نظير تكليم عيسى عليه الصلاة والسلام للموتى وأبلغ منه ذِراع الشاة التي أخبَرت النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنّها مسمومة وكانت مشويّةً قد قُدمت ليأكلها, فكلمته وقالت: إنّي مسمومة فلا تأكلني, ولم تجر العادة من عضو حيوان بهيم أن يتكلم, بل ولا يتكلم حيوانُه وهو حيّ, فكان تكليم عضو واحد منه بعد ذبحه وشيّه أبلغ من تكليم ميت قد وردت السُنّة الثّابتة بوقوعه, وذلك «أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان فيُقعدانِه ويسألانه: من ربك, ومن نبيك, وما دينك, فأما المؤمن فيقول: ربي الله ونبيّي محمد وديني الإسلام, وأما الكافر أو المنافق فيقول: هاه هاه لا أدري, سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته ... » الحديث بطوله وهو صحيح مشهور, ونحو ذلك ما روى أبو نعيم عن حبيب بن فويك عن أبيه أنه خرج به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئاً فسأله: «ما أصابك» , قال: كنت أمرن جملي فوضعت رجلي على بيض حية فأصابت بصري, فنفث النبي - صلى الله عليه وسلم - على عينيه فأبصر قال:

فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وأنه ابن ثمانين سنة وأن عينيه لمبيضتان وهذا إحياء لبعض عضو ميتٍ من جسَدٍ كلّه حَيّ, وهو غاية في عظم المعجز؛ فأما إحياء ميتٍ بجملته فقد روى أبو نعيم في كتابه"دلائل النبوة"بإسناده في إحياء شاة جابر - رضي الله عنه -, فإنه ذبح شاة له ودعا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - والأنصارَ وقدم الطعام, فكان يدخل قوم ويخرج قوم ويأكلون والطعام على هيئته, وكان قال لهم: «كلوا ولاتكسروا عظماً» , ثم إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع العِظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده وتكلم بكلام لم أفهمه إلا أنّي أرى شفتيه تتحرّك, فإذا الشاة قد قامت تنفُضُ ذَنَبها, فقال لي: «خذ شاتك يا جابر بارك الله لك فيها» , فأخذتها ومضيت, وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت بها البيتَ, فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ قلت: هذه واللهِ شاتُنا التي ذبحناها لرسول - صلى الله عليه وسلم - (فأحْياها لنا, قالت: أنا) أشهد أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, أشهد أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, (أشهد أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) .

وروى فيه أيضاً عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:"دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض, فلم نبرح حتى قضى فبسطنا عليه ثوباً وأمّ له عجوز كبيرة عند رأسه فقلنا: يا هذه احتسبي مصيبتك على الله - عز وجل -, قالت: ومات ابني, قلنا: نعم, قالت: حقّاً تقولون, قلنا: نعم, قال: فمدّت يديها فقالت: اللهم إنك تعلم أنّي أسلمت لك, وهاجرت إلى رسولك, رجاء أن تغيثني عند كلّ شدّة ورخاءٍ, فلا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم, فكشف الثوب عن وجهه, ثم ما برحنا حتّى طعمنا معه".

وروى أيضاً عن ربعي بن حراش قال:"مات أخي فسجّيناه, فذهبت في التماس كفنه, فرجعت وقد كشف الثوب عن وجهه وهو يقول: ألا إنّي لقيت ربّي بعدكم فتلقاني بروح وريحان وربّ غير غضبان, وأنه كساني ثياباً خضراً من سندس وإستبرق, وأنّ الأمر أيسر مما في أنفسكم فلا تغتروا, وعدني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَذهب حتى أُدركه, قال: فما شبّهت خروج نفسه إلا بحصاةٍ أُلقِيَتْ في ماءٍ فرسَبت, فذُكر ذلك لعائشة رضي الله عنها فصَدّقت بذلك وقالت: قد كنّا نتحدّث أنّ رجلاً من هذه الأُمّة يتكلّم بعد موته قال: وكان أقْوَمَنا في الليلة الباردة وأصْوَمَنا في اليوم الحارّ"فهذه الثلاثة أحاديث رواها بمعناها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة في إحياء الموتى بدعائه وفي دعاء بعض أصحابه بإحيائها وفي حياة بعض أمّته الصالحين بعد موته من غير دعاء أحَدٍ حتى أخبر عن حاله مع ربّه سبحانه ثم مات؛ وروى أبو نعيم أيضاً بإسناده عن عُتبَة بن ضَمْرة قال سمعت والدي يقول: كان لرجل صِرْمَةٌ من غنم وكان له ابن يأتي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بقدح من لبن إذا حَلَب ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتقده فجاء أبوه فأخبره أنّ ابنه هلك, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أتريد أن أدعو الله أن يَنشره لك أو تَصبِرَ فَيدّخره لك إلى يوم القيامة فيأتيك ابنك فيأخذ بيدك فينطلق بك إلى باب الجنة فيدخلك من أيّ أبواب الجنة شئت» , فقال الرجل: ومَن لي بذلك يا نبيّ الله قال: «هو لك ولكلّ مؤمن» ؛ فلو لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - واثقاً من ربّه تعالى بإجابة دعوته في إحياء الموتى لما تهَجّم وضمن ذلك للرجل ولا يليق بعاقل أن يدخل تحت هذا الدّرك العظيم إلا بأوثق ضمان.

وأما إبراء عيسى - عليه السلام - الأكمهَ والأبرصَ قيل المراد بالأكمه: الذي خلق لا نظر له, والأبرص: الذي قد أُيس من بُرئه, ولا ريب في أن ذلك معجز عظيم وخطْب جسيم وليس ذلك بأعجب من إحياء الموتى وهو شئ قد أُعْطِيَهُ عيسى عليه الصلاة والسلام إكراماً له وإظهاراً لمعجزته وزيادة في إقامة برهانه ولكن لنبيّنا - صلى الله عليه وسلم - أعظم منه من إحياء الموتى كما ذكرنا وكما سيأتي, ومن إبراء الأدواء التي لا يمكن تلافيها بالأدوية المقدورة للبشر مما هو مُدَوَّن في كتب الحديث والسِّيَر وغيرها, فمن ذلك مسحه وتفلُه ولمسه على أدواء تبرأ في الحال كائنةً ما كانت, فإنه تَفَل في عين علي - رضي الله عنه - وهو أرمد فبرأ في الحال وما اشتكاهما بعد ذلك, ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - يُؤتى بالمَرْضى والمُصابين فيَدعو الله لهم ويمسحهم فيردّون أصحّاء, وأتي بصبيّ يأخذه الشيطان فقال: «اخسأ عدوّ الله أنا رسول الله» فثَعَّ ثَعَّةً فخرج منه كالجرو الأسود؛ وعاد مريضاً كان قد صار مثل الفرخ المنتوف فدعا له فكأنّما نُشِط من عقال؛ وله - صلى الله عليه وسلم - في

إبراء الأسقام وإزالة الأمراض والآلام ممن استشفى وشكى إليه وَصَبَهُ وألَمَهُ فدعا له فَعُوفي أمورٌ يطول ذكْرها ويشق حَصْرها ومن ذلك أنّ عائذ بن عمرو قال: أصابتني رَمْية وأنا أقاتل بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين في وجنتي فأسَالت الدم على وجهي ولحيتي وصدري فتناول النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده فسَلت الدم عن وجهي وصدري إلى ثُنْدُؤتَيَّ ثم دعا لي, فلمّا مات وغسلوه نظروا إلى ما كان يصف من أثرِ يَدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا في صدره كغُرة الفرس سائلة؛ وكان بوجه أبيض بن حمّال المأرِبي حَزازة -يعني: القُوباء - قد التمعَتْ أنفَه فدعاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح على وجهه فلم يُمْسِ من ذلك اليوم وفيه أثر.

ودخل رافع بن خديج يوماً على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندهم قِدْر تفور لحماً, قال: فأعجبتني شحمة فأخذتها فازدردتها فاشتكيت عليها سنةً ثم ذكرته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنه كان فيها نَفْسُ سَبْعَةِ أناسِي» ثم مسح بطني فألقيتها خَضْراء فوالذي بعثه بالحق ما اشتكيت بطني حتى السّاعة؛ وعبد الله بن عَتيك لما ذهب ليقتل أبا رافع

اليهوديَّ وقصته مشهورة في الصحاح وغيرها فوقع فانكسرت رجْله فعصّبها بعمامته وأتى النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: «ابسُط رجلك» فبسطها فمسحها قال فكأنما لم أشتكها قط؛ وقد أبرأ - صلى الله عليه وسلم - من الجنون كما في حديث المرأة التي رفعت إليه ولدها وذكرت أن الشيطان يُلم به منذ سبع سنين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «اخرُجْ عدوّ الله فأنا رسول الله» فخرج ولم يعاوده وقد سبق ذلك؛ وحديث المرأة التي كانت تصرع وتنكشف فقال لها: «إن شئتِ دعوتُ اللهَ لكِ وإن شئتِ صَبرتِ واحتسبتِ ولكِ الجنّة» فقالت: أصبرُ وأحتسِبُ ولكن ادع الله لي أن لا أنكشف, فدعا لها, فلم تنكشف؛ وأبلغ من ذلك أنّ في أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - من كان به برص فدعا الله تعالى فبرأ وهو أويس القرني كان به برص فدعا الله فأذهبه الله عنه إلا موضع درهم ليذكر به نعمة الله تعالى عليه.

وأما إخبار عيسى - عليه السلام - بالغيوب في قوله: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: 49]

فلمحمّد - صلى الله عليه وسلم - من هذا الجنس عجائب يحار فيها عقول الألبّاء فمن ذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه بالحبشة ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة, وإخباره بمن استشهد بمؤتةَ من أرض الشام زيد وجعفر وابن رواحة - رضي الله عنهم - يوم استشهدوا قبل أن يأتي خبرهم وكان السائل يأتيه ليسأله فيقول: «إن شئت أخبرتك عما جئت تسألني وإن شئت تسأل فأُخبرك» فيقول: لا بل أخبرني فيخبره بما كان في نفسه من سؤاله إياه, وأخبر عُميْرَ بن وهب الجمحي بما تواطأ عليه هو وصفوان بن أمية لما قعدا في الحجر من الفَتْك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد مصاب أهل بدر حتى أسلم عمير, ومنها إخبارُه عمَّه العباسَ بن عبدالمطلب لمّا أُسِر ببدر وأراد أن يفاديه

فقال: ليس لي مال, قال: «فأين المال الذي أودعته لأمّ الفضل لما أردت الخروج وعهدت إليها فيه»

فقال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد غيري وغيرها, ومنها قصّة المرأة التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فبَعث - صلى الله عليه وسلم - عليّاً والزّبير رضي الله عنهما فأدركاها بروضة خاخ فجحدت أنّ معها كتاباً, فقال عليّ - رضي الله عنه: والله ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتخرجِنَّ الكتابَ أو لأجرّدنّك فخافت فأخرجته من عقاصها كما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -, ومنها لما ضلّت راحلته منصرفة من تبوك فقال بعض المنافقين: ألا حدثه الله بمكانها, فأطلعه الله عليها وعلى ما في نفس المنافق فأسلم وفارق النفاق, ومنها: إخباره لرسولَي فيروز لما قدما عليه المدينة من اليمن حين كتب إليه كسرى فقال لهما: «إنّ ربي قد قَتل ربّكما البارحة» فكتبا تلك الليلة فلما رجعا إلى اليمن أتى فيروزَ الخَبرُ أن شيرويه بن كسرى قتل أباه تلك الليلة, فهذه أشياء وقعت وهو غائب عنها فأخبر بها كما وقعت وهذا باب واسع نبّهنا به على ما وراءه إذ حصر ما ورد في ذلك عزيز أو متعذّر؛ وأما الأشياء التي أخبر بها مما لم يكن أنه سيكون فهذا أيضاً باب واسع وطريق شاسع وفيه من العجائب ما يَدْهَشُ العقولَ

فمن ذلك ما أخبره الله تعالى به في القرآن كقوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} [آل عمران: 12] فكان الغلب كما ذكر وتقريراً للعذاب إذا حشروا, فإنهم قاتلوا وغُلِبوا وسيحشرون إلى النار كما وُعِدُوا, ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7] فهزم الله المشركين, ومن ذلك قوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] فَنَصَر الله حزبه على حزب الشيطان وأظهر دينه على الأديان.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور 55] فكان الاستخلاف والتمكين في الأرض والأمن كما وعد, ومن ذلك قوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 1 - 4] فَراهَنَ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على وقوعه ووقع كما وعد, ومن ذلك قوله سبحانه تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ} [الفتح 27] فدخلوه كذلك, ومن ذلك قوله تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} [الفتح 21] يعني العجم وفارس فملكها المسلمون كما أخبر, ومن ذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - بغزو فارس والروم والعجم وبني حَنيفة وأصحاب مسيلمة فقاتلهم أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما, ومن ذلك أنه وعَد المسلمين بأخْذِ أبيضِ كسْرى فأخذوه كما قدّمنا ذكره, ومن ذلك أنه وعَد أن تَخرُجَ الظّعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار أحَدٍ فوقع ذلك.

ومن ذلك قوله سبحانه: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} [الممتحنة: 7] فكان من ذلك أن تزوّج النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبي سفيان واستكتب أخاها معاوية وأسلم أبوه وصارت مودّة ومصاهرة, ومن ذلك إخباره بالفتن الكائنة بعده وردّةِ جماعة ممن شاهده وما يجري على عمر وعثمان وعلي والحسين وعمار بن ياسر وما يُصلح الله بالحسن بين الأمّة وافتتاح البلدان والأمصار الممصرة كالكوفة والبصرة وبغداد على أمّته إلى غير ذلك مما يطول ذكره ويَعَزّ حصرُه وأمّا ما أكنّتْه الصدور وأضمرته القلوب فأطلع الله تعالى عليه محمداً - صلى الله عليه وسلم - وجعله من معجزاته الباهرة وشواهد رسالته الظاهرة فكثير واستيعابه خطب خطير ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [المائدة 13] وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة 76] يعني من بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة 76]

فأعلمه الله تعالى بذلك فقال: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77]

ومن ذلك قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب 18] وذلك أنّ اليهود قالوا للمنَافقين سراً يوم الخندق: على ما تقتلون أنفسكم, هلموا إلينا, ما ترجون من محمد, والله ما تجدون عنده خيراً؛ ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ} [محمد 25] إلى قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 26] وذلك أنهم قالوا: أن قريظة والنضير ستُطيعكم في بعض الأمر فأظهر الله تعالى إسرارهم لرسوله - صلى الله عليه وسلم -, ونظائر ذلك في القرآن كثيرة نبهنا ببعضها على ما فيها؛ فأمّا إخبارهُ - صلى الله عليه وسلم - بالغائبات من غير القرآن فكثير أيضاً كإخباره بأمر الخلافة وأنها تكون كذلك ثلاثين سنة ثم تصير مُلْكاً, وبأن عثمان سَيُقمص قميصاً ويُراد على خلعه وأوصاه أن لا يخلعه, وأن أشقى الآخِرين سَيخضِب لحية عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - من رأسه, وأن الحسين - رضي الله عنه - سَيُقتل, وأن فاطمة رضي الله عنها أول أهله به لحُوقاً, وأخبر بخروج الخوارج, وبأنّ عمّاراً - رضي الله عنه - تقتله الفئة الباغية, وأنه يخرج من ثقيفٍ

كذّابٌ ومُبير فخرج المختار والحجّاج, وأخبر أن أصحابه سَيَلقون بعده أثَرةً وأموراً عظاماً, وأن أمته ستفترق, وأنّ بني أمّية سيملكون, وأن بني العباس يملكون الملك, وأنه يكون مَلك يحثوا المال حَثْياً لا يعدّه عَدّاً, وأنّ مُلك أمّته ينتهي إلى مشارق الأرض ومغاربها, وأن أمّته تقاتل قوماً نعالهم الشعر صغار الأعين ذلف الأنوف, وكل واحد من هذه الأمور فيه حديث صحيح أوحسن مشهور مُدَوّن في كتب الحديث والسِّيَرِ والتّاريخ وغير ذلك, قد استقرّ في القلوب تصديقه لِتَلَقِي الأمّة له بالقبول وتدوينهم إيّاه في دواوين الإسلام نبّهنا بذكر كل نوع منه على ما وراءه, وهذه الأمور من أقوى الأدلة وأعدل الشهود على صدق ما أخبر به من أمور الآخرة وشأن البرزخ كعذاب القبر والحشر والنّشر والحساب والشفاعة والميزان والجنّة والنّار والصّراط وغير ذلك مما هو من شأن اليوم الآخر, والله تعالى الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت