فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 93

(فصل)

فأمّا فضله - صلى الله عليه وسلم - على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك ما روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر, وجُعلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً فأيّما رجلٍ من أُمّتي أدركَتْه الصَّلاة فليُصلّ, وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي, وأُعطِيتُ الشّفاعةَ, وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعِثتُ إلى النّاس عامّة» , وروى أيضاً عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بُعِثتُ بجوامع الكَلِم, ونُصِرتُ بالرعب, وبينا أنا نائمٌ رَأيتُني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فَوُضِعَت في يدي» والحديثان في الصحيحين وغيرهما؛ وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي ذرّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنّ أحد قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود, وجُعلَتْ لي الأرض طَهُوراً ومسجداً, وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي, ونُصِرتُ بالرّعب فيُرعَب العدوّ وهو منّي على مسيرة شهر, وقيل لي: سل تعطه فاختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئاً»

وروى أيضاً من حديث أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُنَّ نبيّ قبلي ... » وذكر نحوه, وروي من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «فُضّلتُ بأربع ... » فذكر بمعناه غير أنه لم يذكر الشّفاعة, وروى أيضاً من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «أُعْطِيتُ ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء» فقلنا: يا رسول الله ما هو, قال: «نُصِرتُ بالرّعب وأُعطيتُ مفاتيح الأرض وسُمّيت أحمد وجُعل التّرابُ لي طَهوراً وجُعلت أُمَّتي خيرَ الأمم»

وروى أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فذكر قصّةً قال: وقال لهم يعني النبي - صلى الله عليه وسلم: «لقد أُعطِيتُ الليلة خمساً, ما أُعطيهن أحد قبلي: أمّا أنا فَأُرسِلتُ إلى الناس كلّهم عامّةً, وكان مَن قبلي إنّما يُرسَل إلى قومه, ونُصِرتُ على العدوّ بالرّعب, ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلِئُوا منّي رُعباً, وأُحِلَّت لي الغنائم آكُلُها, وكان من قبلي يُعَظمون أكْلَها, كانوا يُحرقونَها, وجُعِلَتْ لي الأرضُ مساجد وطَهُوراً, أينما أدركَتْني الصلاة تَمسَّحت وصلّيتُ, وكان من قبلي يُعَظِّمون ذلك, إنما كانوا يصلّون في كنائسهم وبِيَعهم, والخامسة هي ما هي, قيل لي: سل فإن كلّ نبيّ قد سأل, فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة, فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» , وروى أيضاً أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتى النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب, فقرأه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب وقال: «أمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطّاب, والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة, لا تسألوهم عن شيء فيُخبرون بحقّ فتكذّبونه, أو بباطل فتصدّقونه, والذي نفسي بيده لو أن موسى - عليه السلام - كان حيّاً ما وسعه إلا أن يَتّبعني» وروى مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لو بَدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضللتم عن سواء السبيل, ولو كان موسى حيّاً ثم أدركني في نبوّتي لاتّبعني»

وروى مسلم من حديث حذيفة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فُضلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وجُعلت لنا الأرض كلها مسجداً, وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء»

وروى أيضاً من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ: أُعطيتُ جوامع الكَلِم, ونُصِرتُ بالرّعب, وأحلّت لي الغنائم, وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً, وأُرسِلتُ إلى الخلق كافّةً, وخُتم بي النبيون» , وعنه أيضاً عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «وجُعلت لي الأرض طيّبة طهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان»

وفي حديث حذيفة - رضي الله عنه: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي»

وروى أيضاً من حديث أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - فذكر قصّة الذي دخل المسجد وقرأ القراءة التي أنكرها, وحمله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -, وذكر قوله: «أُرسِلَ إليّ أن اقرأ القرآن على حرف, فرددت إليه أن هوّن على أمّتي -فذكرت ثلاث مرّات- قال: فردّ إليّ الثالثةَ اقرأه على سبعة أحرف, ولك بكل ردّة رددتكها مسألة تسألنيها, فقلت: اللهم اغفر لأمّتي, اللهم اغفر لأمّتي, وأخرّتُ الثالثةَ ليوم يَرغب إليّ الخلق كلّهم حتى إبراهيم صلوات الله عليه»

وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «إن الله فضّلني على الأنبياء, وفضّل أمّتي على الأمم, وأرسلني إلى الناس كافّة, ونُصِرتُ بالرُّعب يسير بين يديّ قذفَهُ في قلوب أعدائي, وجعل لي الأرض كلها مسجداً وطَهوراً فأيّما عبد أدركته الصلاة فعنده مسجده وطَهوره وأحلّت لي الغنائم» , وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهن أحد قبلي من الأنبياء: جُعِلت لي الأرض طهوراً ومسجداً, ولم يكن نبي من الأنبياء -يعني: - يصلي حتى يبلغ محرابه, ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين مسيرةُ شهرٍ يقذف الله الرّعب في قلوبهم, وكان النبي يبعث خاصّة إلى قومه وبعثت إلى الجنّ والإنس, وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله, وأمرت أن أقسمه في فقراء أمّتي, ولم يبق نبيّ إلا قد أعطي سؤله وأخّرت أنا شفاعتي لأمّتي» , فإن اعترض معترض بأن سليمان - عليه السلام - كان له سراري, والسراري والعبيد أثر الغنيمة, فكيف يقول محمد - صلى الله عليه وسلم: «أحلت لي الغنائم ولم تُحَلّ لأحد قبلي»

قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي:"إن الأنبياء كانوا إذا جاهَدُوا وقدّموا الغنيمة التي هي أمتعة وأطعمة وأموال نزلت نار فأكلتها كلّها: حصّة ذلك النبي وسهام الأمّة, كما في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «غزا نبيّ من الأنبياء فجمعوا الغنائم, فأقبلت النّار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال النّبيّ: فيكم غلول, فأخرجوا مثل رأس بقرة ذهباً فوضعوه في المال, فأقبلت النار فأكلَتْه, فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا, ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا» فأما العبيد والإماء والحيوانات فإنها تكون ملكاً للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة السلام, فلا يجوز للأنبياء عليهم السلام أخذ شيء منها بسبب الغنيمة بل بالابتياع و الهدية ونحو ذلك, ومن هذا تسرّي سليمان عليه الصلاة والسلام, وكذلك تسري إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بهاجر أم إسماعيل - عليه السلام - لم يكن ملكه لها من جهة الغنيمة وإنما وصلت إليه من الهبة, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - كان يجوز له ذلك فيأخذ الخمس والصفي ويتصرف فيه, وذلك من خصائصه دون الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم."

قال: فإن قيل: فالعبيد والإماء غنيمة أيضاً؟

قلنا: نعم, لكن ذلك حرّم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, وأحل لنبيّنا - صلى الله عليه وسلم - خاصّة من بينهم"."

فحكم العبيد والإماء والحيوان غير حكم الصامت من الأموال فإن الأموال غير ذوات الأرواح كانت تحرق والحيوان لا يحق تحريقه فهذا شيء, وذاك شيء آخر.

وقد أعطي هو - صلى الله عليه وسلم - وأمّته الجمعة ولم يعطها من قبله, وخواصه وخواصّ أمته كثيرة كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

وروى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد الناس يوم القيامة, وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد, وتدنو الشمس, فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون, فيقول بعضهم لبعض: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم - عز وجل -؟ فيقولون: آدم - فذكر حديث الشفاعة وتدافع الأنبياء عليهم السلام أمرها وكلٌ يقول: لست لها - حتى يأتوني فأقول: أنا لها»

والحديث مشهور معروف في الصحاح وغيرها, ففي هذا الحديث احتياج الخلق كلّهم إليه يوم القيامة, وتقدمه على جميع الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -, وأنه إذا قام يشفع فيقال له: «سل تعط, واشفع تشفع» , وليست هذه الرتبة لغيره, وروى الترمذي من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بُعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يَئسوا وأنا أكرم ولد على آدم على ربّي ولا فخر» وفي روايةٍ له أنه قال: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله - عز وجل - ولا فخر» وقد تقدم, وروى الدارمي عن أنس - رضي الله عنه - أيضاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أنا أوّلهم خروجاً, وأنا قائدهم إذا وفدوا, وأنا خطيبهم إذا أنصتوا, وأنا مستشفعهم إذا حبسوا, وأنا مبشّرهم إذا يئسُوا, والمفاتيح يومئذ بيدي, وأنا أكرم ولد آدم على ربّي, يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون, أو لؤلؤ منثور» , وروى أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"جلس ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه, فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون, فتسمّع حديثهم, فإذا بعضهم يَقول: عجباً أن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله, وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم موسى تكليماً, وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحهُ, وقال آخر: (وآدم) اصطفاه الله, فخرج عليهم فسَلّم وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبَكم أنّ إبراهيم خليل الله وهو كذلك, وموسى نجيّه وهو كذلك, وعيسى روحه وهو كذلك, وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك, ألا وأنا حبيب الله ولا فخر, وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة, تحته آدم فمن دونه ولا فخر, وأنا أوّل شافع وأول مشفّع يوم القيامة ولا فخر, وأنا أوّل من يحرّك غلق الجنّة ولا فخر, فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر, وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر» , وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إبراهيم خليل الله, وموسى كلّمه الله تكليماً, وعيسى كلمة الله وروحه, فما أُعطيتَ يا رسول الله؟ قال: «ولد آدم كلهم تحت رايتي, وأنا أوّل من يفتح له باب الجنّة» , وروى أبو نعيم عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قلت: يا رب, إنه لم يكن نبيّ إلا وقد أكرمتَه, فجعلت إبراهيم خليلاً, وموسى كليماً, وسخّرت لداود الجبال, ولسليمان الريح والشياطين, وأحييت لعيسى الموتى, فما جعلتَ لي؟ قال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله, أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي, وجعلت صدور أمّتك أناجيل يقرأون القرآن ظاهراً ولم أعطها أمّةً» , وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لما أسري بي إلى السّماء قلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً, وكلمت موسى تكليماً, ورفعت إدريس مكاناً علياً, وأتيت داود زبوراً, وأعطيت سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده, فماذا لي يارب؟ , فقال: يا محمد اتخذتك خليلاً كما اتخذت إبراهيم خليلاً, وكلمتك كما كلمت موسى, وأعطيتك فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة ولم أعطها نبيّاً قبلك, وأرسلتك إلى أهل الأرض أولهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبياً قبلك, وجَعلتُ الأرض لك ولأمّتك مساجد وطهوراً, وأطعمت أمّتك الفيءَ ولم أُحلّه لأمّة قبلها, ونصرتك بالرعب حتى إن عدوّك لَيُرعَب منك, وأنزلت عليك سيّد الكتب كلّها قرآناً عربيّاً, ورفعت لك ذكْرك حتّى لا أُذكَر إلا ذكرت معي» , وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختارني على جميع العالمين من النبيين والمرسلين» "

وعنه أيضاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - أعطى موسى الكلام, وأعطاني الرؤية, وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود» , وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال:"ما خلق الله تعالى خلقاً ولا برأه أحبّ إليه من محمّد - صلى الله عليه وسلم -"؛ ومن أنعم النظر في معجزات الأنبياء, وتدبّر معجزات نبيّنا - صلى الله عليه وسلم -, وجد معجزات نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - أضعاف ذلك, مع مقابلة كل معجزة بما هو مثلها, أو فوقها, ووجد لنبينا - صلى الله عليه وسلم - غير ذلك مما تفرّد به, ووجد كرامات الأولياء من أمّته أعظم, وأكثر, وأبلغ من كرامات الأولياء من أمم الأنبياء قبله.

فإن قيل: كيف قال محمد - صلى الله عليه وسلم: «بُعِثتُ إلى الخلق كافة» ومعلوم أن موسى عليه الصلاة والسلام لما بُعث إلى بني إسرائيل لو جاءه غيرهم من الأمم يسألونه تبليغ ما جاء به عن الله تعالى لم يجز له كتمه, بل كان يجب عليه إظهار ذلك لهم؟ , ثم قد أهلك الله تعالى في زمن نوح - صلى الله عليه وسلم - الخلق وما كان ذلك إلا لعموم رسالته؟

فقد أجاب عن هذا أبو الوفاء ابن عقيل فقال: إن شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - جاءت ناسخة لكل شريعة قبلها, وقد كان يجتمع في العصر الواحد نبيّان وثلاثة يدعو كل واحد إلى شريعة تخصّه, ولا يدعو غيره من الأنبياء إليها ولا ينسخها, بخلاف نبينا - صلى الله عليه وسلم - فإنه دعا الكل ونسخ الكل وقال: «لو كان موسى حَيّاً ما وسعه إلا اتباعي» وما كان يمكن عيسى - صلى الله عليه وسلم - أن يقول هذا في حق موسى - صلى الله عليه وسلم -, وأما نوح عليه الصلاة والسلام فإنه لم يكن في زمنه نبي يدعو إلى شريعته, وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدم.

قلت: ولو قيل: إن كل نبي من الأنبياء المبعوثين إلى أممهم خاصّة أن تخصيصهم هذا هو أنهم لا يدعون غير من أرسلوا إليه, فإن طَرَى على أحد منهم طار من غير أمته واستفتاه فإنما يُفتيه بشريعته لا شريعة المستفتى فإن هذا لا مانع منه, وإذا عمل هذا المستفتي بما أفتاه هذا المفتي لم يكن ضالّاً ولا معاقباً بمتابعة هذا النبي الآخر, فإن أصل دين الأنبياء جميعهم شيء واحد, فالأميّ إذا قلّد العالم في شيء جاز فكيف بتقليد النبي المعصوم عند الحاجة؛ وقريب من هذا المعنى في هذه الأمّة المحمّديّة الجامعة لكل خير, المعصومة من الاجتماع على ضلالة, لو سأل حنبليُّها شافعيَّها أو مالكيُّها حنفيَّها ونحو ذلك عن أمرٍ فأفتاه ذلك العالم بما هو مذهبه فعمل السائل بقوله لم يأثم ولم يكن ضالّاً بسؤال من ليس على مذهبه مع اتفاق أصل الدين, ومع ذلك لا يجوز لهذا المفتي أن يَدعُوَ الناسَ إلى مذهبه ومفارقة مذاهبهم ونحو ذلك مثلاً إذا سكن رجل من بغداد في مصرَ أو غيرها واحتاج إلى شيء من الأمور الشرعيّة كالعقود والفسوخ وإقامة الحدود ونحو ذلك فإنه يكون تحت حكم قضاتها وولاتها يقضون فيما يوافق مذاهبهم و (إن) كانت خلاف مذهبه ويلزمه قبول ذلك والتزامه, ولا يتوقف الحال على أن ينهى ذلك إلى حكام بلده لأن أصل الدين واحد والملّة واحدة والخلاف في فروع الشريعة غير ضارّ, فهكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما في الحديث: «الأنبياء إخوة أولاد علّات أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» , فأمّا وشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لما قبلها من الشرائع فلا يمكن هذا , والله أعلم.

ومن خصائص محمّد - صلى الله عليه وسلم - أن كل معجزة لنبيّ فلَهُ من جنسِهَا مِثلُها وأعظم وأتم وأكمل, وكل كرامة لوليّ من الأمم السالفة فلأولياء أمّته مثلها وأعظم وأتمّ وأكمل كما قد أشرنا إليه, على أن كل معجزة لنبي من الأنبياء فهي له, لأن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق لئن جاءهم ليؤمننّ به ولينصرنّه, فكان إيمانهم به ودعوتهم لأممهم إلى الإيمان به إن أدركوه معجزةً له خصيصةً به, فإنهم لما التزموا الميثاق بالإيمان به وبالاتباع له وأوصَوا بذلك اتباعهم صارت المعجزة والفضيلة له عليهم, فمهما أظهر الله تعالى على أيديهم من الخوارق فهو بواسطة الإيمان به واتباعِه, كما أن كل كرامة لوليّ من أمّة من الأمم هي مضافة إلى معجزاتِ مَتبوعِهِ من الأنبياء كما أشرنا إليه, فإن الكرامات لا تحصل إلا بمتابعة الرسل صلى الله عليهم وسلم, وتصديقهم, والتزام طريقتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت