فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 93

{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ...(60)}

(فصل)

فأما موسى عليه الصلاة والسلام فهو صفي الله تعالى ونجيّه وكليمه ونبيّه ورسوله, ففضله ليس يخفى, ونور جلاله قدره لا يَطفا, عالج القبط وبني إسرائيل, وقاسى شدائد منهم شرحُها طويل, وجاهد أعداء الله تعالى (ونصر كلمته, وصابر وثابر لله تعالى) وبلّغ رسالته, فصلوات الله عليه ما كان أصبره, وبمُداراة القوم ومُدارأتهم ما أخبره, وقد أُعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ما تُعقد عليه البنان الخمس, وسار في الآفاق مسير القمر والشّمس, فكل فضيلة أوتيها موسى, وكل قضيّة لقيها نعمى وبؤسى, فلمحمّد - صلى الله عليه وسلم - نظيرتها وأكبر, وأوضح منها لمن تأمّلها وأظهر, وكلٌّ كان عند الله وجيهًا, وكل منهما قد كان نبيًّا نبيهًا, فمن ذلك معجز موسى عليه الصلاة والسلام في العصا واليد وانفجار الماء من الحجر في التّيه, فإن الله تعالى أعطى محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك أو أعجب وأعظم فإن العصا لموسى عليه الصلاة والسلام كانت من خشب يجعلها الله تعالى له ثعبانًا حيًّا يتلقف ما يأفك سحرة فرعون ثم تعود إلى خاصيتها وسيرتها الأولى, وكان لموسى عليه الصلاة والسلام فيها مآرب أخرى فما ذاك بأعجب من جذع يابس كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يخطب عليه, فلما عمل المنبر وتحوّل إليه حنّ ذلك الجذع إليه كحنين العشار إلى أولادها, وجعل يَخُور كما يخور الثور حتى سمع أهل المسجد ذلك, فلم يزل كذلك يحنّ ويئنّ حتى جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحتضنه وضمّه إليه فسكن وقال: «والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال كذلك حتى تقوم الساعة جزعًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»

وأعجب من ذلك أنه دعا شجرةً من أقصى الوادي فجاءت تَخُدّ الأرض حتى وقفت بين يديه ثم أمرها فرجعت إلى منبتها فقامت كما كانت, ونحو ذلك دعاؤه للعذق من رأس النخلة فانْحدَرَ وجاءه يَنقُزُ حتى صار بين يديه ثم أمره أن يعود حيث كان فصعد كذلك, وأعجب من ذلك أنه كان بالحَجون وهو كئيب حزين فقال - صلى الله عليه وسلم:

«اللهم أرني اليوم آيةً لا أبالي من كذّبني بعدها من قومي فأُمِر أن ينادي شجرةً من عقبة المدينة فناداها فجاءت تَشُق الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه ثم أمَرها فذهبت فقال: ما أبالي من كذّبني بعدها من قومي»

وأعجب من هذا أو أبلغ أنه كان حين بُعث لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله, وقال: «كان حجر بمكة يسلّم عليّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن»

ونحوه تسبيح الحصى في يديه, وتسبيح الطعام وهو يؤكل عنده وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وهذا بابٌ واسع.

وأما ضرب موسى - عليه السلام - بالحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا وهم في التيه فليس بأعجب من أنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر فأعوز القوم من الماء فدعا بقدح فجعل أصابعه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى روي القوم أجمعون, وخروج الماء من الأحجار أمْرٌ معتاد قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} [البقرة 74] .

وأما من بين الأصابع فلا يعهده أحد لغير محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو أعظم وأعجب, وذلك ما روى عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: حدثني أبي قال:"كُنّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبّ فيها, (ثم مجّ فيها) , وتكلم بما شاء الله أن يتكلم, ثم أدخل خنصره فيها, فَأُقسِمُ بالله لقد رأيت أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تتفجَّر ينابيع الماء, ثم أمر الناس فسَقوا وشربوا وملأوا قِربهم وإداواتهم", والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة معلومة في كتب الصّحاح والسنن والسِّير وغير ذلك.

فإن قيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام انفلق له البحر لما ضربه بعصاه فجازه هو وأصحابه لما تبعهم فرعون وجنوده, قيل: لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أعجب من ذلك فإنه لم يحتج إلى عبور البحر بل بعض أصحابه قال:"والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها", ولم يشترطوا انفلاق البحر وهم صادقون فيما قالوا وقد حقّق هذا الفعل بعض أصحابه في حياته وبعد موته وهو العلاء بن الحضرميّ - رضي الله عنه - لما كان بالبحرين واضطر إلى عبور البحر فعبر هو وأصحابه ولم يبتل لهم ثوب, وذلك ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال:"لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين تبعتُه"

فرأيت منه خصالًا ثلاثًا لا أدري أيتهن أعجب, انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا الله تعالى واقتحِمُوا, فسمّينا واقتحمنا فعَبرنا فما بلّ الماء إلا أسافل أخفاف الإبل, فلما قفلنا جُزنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلّى ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عَزالَيْها فسَقينا واستقينا ومات فدفنّاه, فلما سرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره"وقد تقدمت هذه القصّة بأتم من هذا السياق عند ذكر نوح عليه الصلاة والسلام, وكذلك قصة سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فإنه لما فرغ من أمر القادسية ونزل بالمسلمين الكوفةَ ومدائن كسرى بالأجناد والرجال فافتتحوها وهرب منها أردشير فدخل المسلمون مدينة نهرشير وهي المدينة الدُنيا في جوف الليل, فلاح لهم القصر الأبيض قال المسلمون: الله أكبر هذا أبيض كسرى الذي وعدنا الله تعالى ورسولُهُ - صلى الله عليه وسلم - وتابعوا التكبير حتى أصبحوا وذلك في صفر سنة ست عشرة وكان هذا القصر الأبيض مدينة كسرى القصوى التي فيها منزله فوقف المسلمون على دجلة وطلب سعد السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى فلم يقدروا على شيء منها ووجدهم قد ضمّوا السفن فأقاموا بنهرشير أيامًا يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين حتى أتاه أعلاجٌ فَدلُّوهُ على مَخاضَةٍ فأبى وتردّد عن ذلك وفجئهم المَدُّ فرأى رؤيا أن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت يعني دجلة من المدّ بأمر عظيم فعزم لتأويل رؤياه على العبور فجمع سعدٌ الناسَ فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فَيُناوشونكم في سُفنهم وليس وراءكم شيء تخافون أن تُؤتَوا منه وإنّي قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم, فقالوا جميعًا: عزم الله لنا ولك على الرّشد فافعل, فندَب سعدٌ الناسَ للعبور فقال: من يبدأ ويَحمي لنا العِرَاصَ حتى يَتلاحق به الناس لكي لايمنعوهم من الخروج فانتدب له عاصم بن عمرو وانتدب له ستمائة رجل من أهل النجدَات فاستعمل عليهم عاصمًا فسار بهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي يمنع العراص من عدوّكم فانتدب له ستون منهم فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعَوْم الخيل إذا اقتحموا دجلة فلما رأى سعد عاصمًا على العراص قد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله ونتوكّل عليه, حسبنا الله ونعم الوكيل, لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة وإنَّ دجلة لترمي بالزَّبد وإنّها لمسودّة وإن الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقترنوا كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض ففجئوا أهلَ فارس بأمرٍ لم يكن في حسابهم فَأجهَضُوهم وأعجلوهم عن جُمهور أموالهم ودخلها المسلمون واستولوا على كل مابقي في بيوت كسرى من الثلاثة ألف ألف ألفٍ وما جمع شِيرِينُ ومَن بعده, وروى أبو بكر بن حفص بن عمر قال:"الذي كان يُساير سعدًا في الماء سلمان الفارسي رضي الله عنهما فعامَتْ بهم الخيل وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل, والله لينصرن الله وليَّه وليظهرنّ دينه, وليهزمنّ عدوَّه, وإن يكن في الجيش بغي وذنوب تغلبُ الحسناتُ, فقال سلمان: إن الإسلام جديد ذلَّل لهم والله البحارَ كما ذلّل لهم البَرّ, أمَا والذي نفس سلمان بيده ليَخرُجُنّ أفواجًا كما دخلوه أفواجًا, وطبَّقُوا الماء حتى ما يُرى الماءُ من الشاطئ, ولهم فيه أكثر حديثًا منهم في البَر, فخرجوا منه لم يفقدوا شيئًا ولم يغرق منهم أحد", وعن حبيب ابن صُهْبَان قال:"شهدتُ القادسية -قال: - فانهزَمُوا حتى أتوا المدائن وتبعناهم -قال: - فانتهينا إلى دجلة وقد قطعوا الجسور وذهبوا بالسفن فانتهينا إليها وهي تَطْفَح فأقحم رجل منّا فرسَه وقرأ {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران 145]

قال: فعبر ثم تبعه النّاس أجمعون فعبروا فما فقدوا عِقالًا ما عدا رجلًا منهم انقطع قَدحٌ له كان معلّقًا بسَرْجه فرأيته يدور في الماء, قال: فلما رأونا انهزموا من غير قتال فبلغ سهم الرجل منا ثلاث عشرة دابة وأصابوا من الجامات الذهب والفضة فكان الرجل منا يَعرِض الصحفة الذهبَ يبدلها بصحفة من فضة يُعجبه بياضُها فيقول: من يأخذ صفراء ببيضاء, وعن أبي عثمان النهدي قال: سَلِمُوا من عند آخرهم إلا رَجل من بَارِق يُدعى غَرْقَدة زال عن ظهر فرس له أشقر كأني انظر إليها تَنفُضُ أعرافَها عُرْيًا والغريق طافي فثنى القعقاعُ بن عمرو عنان فرسه إليه وأخذه بيده فجرَّه حتى عبر قال:

وما ذهب لهم في الماء شيء إلا قدح كانت علاقته رثَّةً, فانقطعت, فذهب به الماء, فقال الرجل الذي يعاومه صاحبُ القدح: أصابه القدرُ -معزِّيًا له- فقال: والله إنِّي لعلى طريقة ما كان الله ليَسلُبَني قدحي من بين أهل العسكر, فلمّا عبروا إذا رجل ممن كان يحمي العراصَ وإذا بالقدح قد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر يعرّفه وأخذه صاحبه, وعن عمير الصائدي قال:"لما أقحم سعدٌ الناسَ في دجلة اقترنوا, فكان سلمانُ قرين سعدٍ إلى جانبه يسايره في الماء, فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم, والماء يطمُو بهم وما يَزال فرسٌ يستوي قائمًا قد أعيا, تنشِزُ له تَلْعَةٌ فيستريح عليها كأنه على الأرض, فلم يكن في المدائن أمر أعجب من ذلك, ولذلك كان يدعى يوم الجراثيم لا يعيي أحدٌ إلا نشزت له جرثومة يُريح عليها, وقال حبيب بن صُهبان: لمّا عبر المسلمون يوم المدائن دجلة فنظر الفُرسُ إليهم وهم يعبرون فجعلوا يقولون بالفارسية: ديوانان يعنون أنّ هؤلاء مجانين, وقال بعضهم: والله إنكم لم تقاتلوا الإنس وما تقاتلون إلا الجنّ فانهزموا, فهذا في الفضيلة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم من الفضيلة لموسى - صلى الله عليه وسلم - في عبور البحر, فإنّ ذلك كان في صحبة موسى وأخيه هارون وهما اللذان تقدَّما القومَ, وهذا كان من أصحاب محمّد - صلى الله عليه وسلم - بعد موته بمدّة, وأيضًا فإن التغرير بالنفس في خوض دجلة مع شدّة جريانها وعظم طغيانها أعظم من اقتحام البحر مع سكونه وعدم جنونه, وأيضًا فإن موسى وأصحابه إنما دخلوا البحر لما ضربه موسى - عليه السلام - بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وظهرت أرض البحر فمشوا عليها كما قال (الله) تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه 77] فلما تبعهم فرعون بجنوده أطبقه الله عليهم وأغرقهم ونجى موسى وأصحابه, وأيضًا فإنّ أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام عبروا البحر وهم مطلوبون خائفون كما قال تعالى عنهم قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء 61] "

وأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا طالبين لعدوّهم, وفرق عظيم بين من يغرّر بنفسه في طلب عدوّه ليقتله وبين من يغرّر بنفسه فارًّا منه في طلب النجاة لئلّا يقتله, وأيضًا فمشْيُ أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - على وجه الماء أعظم من مشي أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام على أرض البحر اليابسة, فإن المشي على الأرض شيء معتاد معروف بخلاف المشي على وجه الماء.

فأما توريث الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه أموال فرعون وقومه كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف 137] فليس هذا بأعظم مما ورّث الله تعالى أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إكرامًا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -, فإن الأرض التي أُورثها موسى وقومه هي أرض فرعون التي كان يحكم فيها لا جميع الأرض التي خلق الله تعالى بدليل قوله: {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف 137] وليس كل الأرض بارك الله فيها, وقد أورث الله تعالى أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من آل كسرى ما لا يعد ولا يحصى من الذهب والفضّة والجواهر والأمتعة

والفرش والأواني والعُدد والسلاح والدوابّ إلى غير ذلك من سائر أنواع الجواهر والمزارع والأملاك وغير ذلك, وحُمل ذلك أو معظمه إلى عمر - رضي الله عنه - فلما رآه قال: إنّ قومًا أدَّوا هذا لَذَوُو أمانة, فقال له علي - رضي الله عنه: إنك عَففت فعفّت الرعيّة, وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:"والله الذي لا إله إلا هو ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية وما بعدها من المدائن أنّه يريد الدنيا والآخرة ولقد إئتمنا ثلاثة نفر فما رأينا مثل أمانتهم وزهدهم وهم: طُليحة بن خويلد, وعمرو بن معدي كرب, وقيس بن المكشوح", وكان من جملة ما أصابوه أسفاط فيها تاج كسرى وحلته ووشاحه ودرعه التي كان يلبس للمباهاة والثياب التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر, وأصابوا أيضًا عَيُبَتَيْنِ في غِلافين, في الواحد منهما خمسة أسياف وفي الأخرى ستة أسياف وأدراع فيها درع كسرى ومغفره وساقاه وساعده ودرع هرقل ودرع خاقان (ودرع دَاهِر) ودرع بهرام ودرع سِيا خُرْس ودرع النعمان كانوا سَبَوْها أيام عزِّهم, فبعث بذلك إلى عمر ليراه المسلمون ويسمع بذلك العرب, ومما وُجد أيضًا سَفَطانِ في إحداهما فرس من ذهب مسرّج بسرج من فضة على ثفره ولبته الياقوت والزمرّذ منظومًا ولجام كذلك وفارسُه من فضة مكلّل بالجوهر, وسَفط فيه ناقة من فضّة عليها شليلٌ من ذهب زمامُها من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت والجوهر وعليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر كان كسرى يضعهما إلى

اسطوانتي التاج, وأقبل رجل بِحُقّ إلى صاحب الأقْباض, في ذلك الحُقّ صنوف من نفيس الجوهر, فقال له صاحب الأقباض ومن كان معه: ما رأينا مثل هذا قط ولا يَعدله ما عندنا ولا يقاربه, وقال للرجل: هل أخذتَ منه شيئًا فقال: أما والله لولا الله ما أتيتُكم به فعرفوا أن للرجل شأنًا, فقالوا له: مَن أنت؟ قال: لا والله (لا) أُخبركم, فأتبعوه رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.

وأيضًا فإنّ قهر أصحاب موسى - عليه السلام - لفرعون وقومه كان بما أطبقه الله تعالى عليهم من البحر وإغراقهم وقهر أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لكسرى وقومه كان بمباشرتهم وسيوفهم ورماحهم وقوّتهم وأسلم من أسلم واستسلم على الجزية والصَّغار مَن استسلم فكان أبلغ في النكاية على العدوّ وأعظم لظهور الإسلام وأدحر لمعالم الكفر والطغيان, فأصحاب موسى - عليه السلام - كانوا فارّين من عدوّهم وأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا طالبين لعدوّهم وفرق بين هؤلاء وهؤلاء والله يؤيد بنصره من يشاء, وكان ذلك أبلغ مما لو أهلكهم جميعًا فإنه أبقى في أعقابهم الذّلّ والصَّغار ليُعتبر بهم, وجعل ما يؤخذ منهم قوّة للمسلمين وزيادة في أموالهم واستمرارًا للذلّة في عدوّهم, ثم إنّ ما علمنا أنّ المسلمين غنموه من آل كسرى أعظم مما علمنا أن أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام غنموه من آل فرعون وذلك أن سعدًا - رضي الله عنه - لمّا قسم المغانم بين العسكر جمع كل شيء أراد أن يتعجّب منه عمر من ثياب كسرى وحليه وسيفه وغير ذلك مما كانت العرب تعجب أن يقع إليهم ويصير بأيديهم, فمن ذلك أنه أخرج بساطًا يعرف بالقطيف مقدار سَعته جريبٌ أرضُهُ مُذهبَةٌ فيه صور مختلفة ووشي وفصوص كالنُوار في خلالها صُور النخل والشجر وفي حافاتها طُرْزٌ كالأرض المزروعة والأرض المُبقِلة بالنبات في الربيع معمولًا بالحرير وعليه قضبان من ذهب ونُواره معمول بالذهب والفضة وغرائب الألوان البديعة, كان كسرى يبسطه في الشتاء إذا ذهب النوار والرياحين ويَشرب عليه مع رجاله كأنهم في روضةٍ, فلم تَعتدل قسمته فقال سعد للمسلمين: هل لكم في أن تطَّيبوا نَفْسًا على أربعة أخماسه ونبعثه إلى عمر ليضعه حيث يرى فإنا لا نراه تتّفق قسمته علينا وهو قليل بيننا وسيقع من أهل المدينة موقعًا فقالوا: نعم, وبعث به سعد إلى عمر رضي الله عنهما فلما قدم عليه بالمدينة جمع الناس فاستشارهم بالبساط وأخبرهم خبره فمن بين مُشير عليه بقبضه وآخر مُفوِّض إليه وآخر متوقف فقام علي - رضي الله عنه - فقال له: إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت, أو لبست فأبليت, أو أكلت فأفنيت, فقال: صدقتني, فقطَّعه وقسمه بين الناس وقال: إن الأخماس يُنفِّل منها من شهد ومن غاب من أهل البلاء فأصاب عليًّا قطعةٌ من البساط فباعها بعشرين ألفًا وما هي بأجود تلك القطع، ولما أُتي عمر - رضي الله عنه - بحلي كسرى وزيّه في المباهاة وزيّه في غير المباهاة وكان له عند كل حالة زيّ قال: عَلَيَّ بمُحَلِّمٍ, وكان من أجسم عربي يومئذ بالمدينة, فأُلبس تاجَ كسرى على عمودين وخشب, ثم صبّ عليه أوشِحَتُه وقلائده وثيابه وأجلس للناس, فنظر إليه عمر والناس معه فرأوا أمرًا عظيمًا من أمر الدّنيا وفتنتها, ثم قام عن ذلك فألبس زيًّا آخر فنظروا إلى مثل ذلك في غير ما نوع, ثم ألبس سلاحه وقلّد سيفه فنظروا إليه في ذلك, ونفّل عمر - رضي الله عنه - مُحَلِّمًا سيف كسرى وقال: أحمِق بامرئٍ من المسلمين غرّته الدنيا هل يبلغنّ مغرور منها إلا دون هذا ومثلَه؛ فهذا الذي أوتي محمد عليه الصلاة والسلام أعظم مما أوتي موسى عليه الصلاة والسلام من فلق البحر وميراث آل فرعون, ثم إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لما فرغوا من هذه الغزوة وبعثوا الأموال إلى عمر - رضي الله عنه - توجّهوا إلى غزوة أخرى وهي الوقعة المعروفة بجَلُولاء وغيرها لا يَشغلهم ما أصابوا من الأموال والأنفال عن غزو أعداء الله تعالى والجهاد في سبيل الله تعالى, وقوم موسى عليه الصلاة والسلام لمّا نجوا من البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة, قال: إنكم قوم تجهلون, إنّ هؤلاء متبّر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون, وأصحاب (محمد) - صلى الله عليه وسلم - لما فرغوا من أمر الفرس وانتهى سعد - رضي الله عنه - إلى إيوان كسرى ورأى المدائن وخُلُوَّها وما تركوا فيها فقرأ: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28]

فصلى سعد - رضي الله عنه - في الإيوان صلاة الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينهنّ, وأتم الصلاة يوم دخل المدائن لأنه أراد المقام بها, وكانت أول جمعة جمعت بالمدائن, واتّخذ سعد - رضي الله عنه - الإيوان مصلّى للأعياد واتخذ فيه منبرًا؛ فقد تبين فضل محمد - صلى الله عليه وسلم - على موسى - صلى الله عليه وسلم - وفضل أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - على أمة موسى - صلى الله عليه وسلم -, وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا.

فإن قيل: إنّ موسى عليه الصلاة والسلام أتى فرعون وقومَه بالعذاب الأليم الجراد والقمل والضفادع والدّم على ما أخبر الله تعالى في كتابه, قلنا: نعم هو كذلك وكان لموسى عليه الصلاة والسلام من المنزلة أعظم من هذا, ولكن لمحمّد - صلى الله عليه وسلم - أعظم من ذلك, فإنّ قريشًا لمّا عتوا وتجبّروا ولم يجيبوا إلى الإسلام دعا عليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعينه عليهم بسنين كسني يوسف فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» , فتوالت عليهم السنون بالجَدْب حتى أكلوا العظام والجيف وكان أحدهم ينظر فيما بينه وبين السّماء فيرى كهيئة الدّخان قال الله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان 11] (فقالوا) : {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان: 12] فقال الله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 15 - 16] يعني: يوم بدر فإنه لما كشف عنهم العذاب في الأولى عادوا إلى كفرهم فسلّط الله تعالى عليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - فانتقم منهم بأن جعل هلاكهم بسيفه, فشفى صدره وصدور المؤمنين منهم.

فإن قيل: انقلاب العصا الجماديّة ثعبانًا حيًّا آية عظيمة وفضيلة جسيمة لموسى - عليه السلام -؟

قيل: لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أمثالها وأعظم فإنه قد سبّح الحصى في يده وفي يد أصحابه فهذه حياة في جمادٍ ونطق بتسبيح يسمعه من حَضر, وكذلك سبح الطعام وهو يؤكل بحضرته, والأحجار قد سلمت عليه, والأشجار قد دعاها فأقبلت

إليه, وكذلك العذق دعاه فنزل من رأس النخلة ينقز حتى وقف بين يديه فشهد برسالته ثلاثًا

ثم عاد ينقز إلى مكانه, وكذلك حنّ الجذع اليابس إليه حين فارقه فلمّا جاءه واحتضنه سكن.

فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - لما وفد بخيار قومه وهم سبعون نَفْسًا إلى الله تعالى وكانوا من أفاضلهم فلمّا صاروا في البَرِّيَّةِ غلب رَوحُ القُرْبة على قلبه, وتحقق صدق الإجابة, وظاهَرَهُ قوة الوصول, أسرَعَ إلى ربّه ناسيًا لقومه لما وجد من الوله قاصدًا للمناجاة فقال الله تعالى له: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى} [طه: 83] فقال: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه 84] , وهذه حالة شريفة خصّ بها موسى عليه الصلاة والسلام دون سائر المرسلين عليهم السلام, عبّر عن نفسه ودلّ على قصده ومراده.

قيل: إنّ الله عظّم شأن محمّد - صلى الله عليه وسلم - في آيتين أعلمه فيهما رضاه عنه وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه ولا رغبة تقدمت منه فقال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة 144] , وقال في الآية الأخرى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحى: 5] فمنحه رضاه وأعطاه مُناه في جميع ما يهواه ويتمنّاه, وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام سألوا وطلبوا رضى مولاهم, وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لما أنزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب 51] قلتُ: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك", وخصه مع الرضى بالرحمة والرأفة فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... } الآية [آل عمران: 159] وكان رقيق القلب, وأمر الله تعالى موسى - عليه السلام - بالملاينة لفرعون لما كان فيه من الفظاظة والغلظة وقال له ولأخيه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه 44] , وذكر عن محمّد - صلى الله عليه وسلم - الملاينة والرأفة وأمره بضدّها فقال: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة 73] وإنّ لكلّ مقام مقالًا, والذي اشتهر من حال موسى عليه الصلاة والسلام الحدّة وقلة التماسك عند ورود الملمات عليه كما فعل في إلقاء الألواح وفي أخذه برأس أخيه ولحيته وجرّه إليه, وروى زيد بن (أسلم) عن أبيه:"أن موسى - عليه السلام - كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا"من شدّة غضبه ذكره الثعلبي, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بُولغ في أذاه وفي خِلافه وعداوته حتى ألقوا على ظهره السَّلا والفرث والدّم وهو ساجد, وضربوه حتّى أدموه إلى غير ذلك من أصناف الأذى فعلًا وقولًا, فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» , فكان عاقبة الصّبر النصر, وأثنى الله تعالى عليه - صلى الله عليه وسلم - في سَعَةِ خُلقه وحسن سيرته وجميل صبره فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ؛ وأما شوقهُ - صلى الله عليه وسلم - إلى ربّه تعالى ولقائه فإنّه حين جاءه نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا, وأكمل له الدّين وأتم عليه النعمة, وكان العيش عند ذلك مطلوبًا وطول البقاء في الدنيا محبوبًا مَرِض فَخُيّر بين الحياة وبين لقاء رَبّه, فاختار لقاء ربّه ولم يزل يقول: «الرفيق الأعلى» (حتى) قُبض - صلى الله عليه وسلم -, وموسى عليه الصلاة والسلام لمّا حضره ملك الموت ليقبض رُوحَه لطمه ففقأ عينه كما ثبت ذلك في الصحيح, فرجع ملك الموت (إلى ربّه) فقال:"ياربّ إنّك أرسلتني إلى عبد لك لايحب الموت وقد فقأ عيني فردّ الله عليه عينه ..."الحديث؛ ثم أين أصحاب موسى الذين اختارهم لميقات ربّه ثم تهجّموا على ربهم فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة, فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعًا فقال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي, أتهلكنا بما فعل السفهاء منا, رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم, فلم يزل موسى يناشد ربَّه حتى أحياهم الله - عز وجل - (جميعًا) رجلًا بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يُحيَوْن فذلك قوله - عز وجل: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56] فهؤلاء الذين اختارهم موسى من قومه, وقد روى أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا راح منّا إلى الجمعة سبعون رجلًا كانوا كالسبعين الذين وفدوا مع موسى - عليه السلام - وأفضل» , وأما أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن الإيمان كان أرسخ في قلوبهم من الجبال الراسيات, منهم من يغرر بنفسه ومالِه في نصرة الدين, ومنهم من يهجر ولده, ومنهم من يطلق زوجته, ومنهم من يقتل قريبه ونسيبه, ومنهم مَن يُعْرَض على القتل فيختار القتل والموت على الإسلام

ولا يكفر, ومنهم من يُعَذّب بأنواع العذاب كصهيب وبلال رضي الله عنهما وأرضاهما ونحوهما, ومنهم من يقول:

ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع

وهو خُبَيب - رضي الله عنه - إلى غير ذلك من أحوال كثير من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.

وأما تكليم الله لموسى - عليه السلام - ففضيلة عظيمة ولمحمّد - صلى الله عليه وسلم - مثلها وأعظم منها, فإن موسى عليه الصلاة والسلام قد كلّمه الله تعالى وموسى في الأرض, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - كلّمه الله تعالى وهو في مقام قاب قوسين أو أدنى من فوق سبع سماوات بما الله به عليم من العلوّ, وموسى - عليه السلام - سأل رَبَّه الرّؤية فمُنِعها, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أُعطِيها من غير سؤال ليلةَ المعراج في أحد قولي العلماء, قال الله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء 55] .

فإن قيل: قد قال الله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] , قيل: لا يخفى ما في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أئمة الهُدى والعدل, وأئمة الهُدى والفقه كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعثمان وعلي وغيرهم من أئمة الهدى والعدل, ففي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبيّ وإنه لانبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا, قال: «فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل وأعطوهم حقّهم فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم» , وكأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغير هؤلاء ممن يهتدى به ويعدل في الأمة, وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة وهم ظاهرون» وليس هذا في غير أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -, وهذه النعمة ببركة قولهم لنبيهم - صلى الله عليه وسلم: سمعنا وأطعنا, فإن الله خفف عنهم وغفر لهم ورفع عنهم الأغلال والآصار؛ وقوم موسى لما قالوا: سمعنا وعصينا, ثقل عليهم وعاقبهم وجعل الآصار والأغلال عليهم والذل إلى يوم القيامة, وسلبهم بركةَ الطاعة فجعلها في غيرهم وسلطهم عليهم كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... } الآية [النساء: 160]

وفي الجملة ففي مسائل موسى عليه الصلاة والسلام ربَّه تعالى أنّه رأى في التوراة أمّةً صفتها كذا وكذا: ياربّ فاجعلها أمّتي, فيقول ربّه: تلك أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم -, فقال: إني أجد في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا فاجلعهم أمتي, قال له ربّه: تلك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -, مرارًا كثيرة يذكر أمّةً يجدهم في التوراة بصفات من الخير جليلة فيسأل ربّه أن يجعلهم أمّته وكل ذلك يقول له: تلك أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - (فلما رأى الخير كله في أمّة محمّد, قال: يارب فاجعلني من أمّة محمّد) , والحديث الصحيح الذي رواه جابر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب وقال: «أمتهوّكون فيها يا ابن الخطّاب, والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية, لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى - عليه السلام - كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» , وعنه أيضًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لو بدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضلَلتم عن سواء السبيل, ولو كان موسى حيًّا ثم أدركني في نبوّتي لاتبعني» , وهذه من خصائص محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن الله تعالى يقول: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران 81] , وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في محمد - صلى الله عليه وسلم - لئن أدركوه ليؤمننّ به ولينصرنه فكيف بأمته الذين قال فيهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... } (الآية) [الفتح: 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت