فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 93

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)}

وأما قول الله تعالى في إبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة 124]

ففي الحديث أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا إمامهم إذا بُعثوا وخطيبهم إذا ورَدُوا ... » الحديث, وقد صلى بإبراهيم وغيره من الأنبياء ليلة الإسراء وشريعته داخلة في شريعة محمد صلى الله عليهما وسلم وشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أتم وأكمل من شريعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما هو معروف؛ وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل 120]

ومعنى الأمة أنه كان معلمًا للخير وداعيًا إليه, ولا ريب أنَّ علم نبينا - صلى الله عليه وسلم - وتعليمَه وما ظهر من الخير على يديه في زمانه وبعد موته بسببه أمر لا يكاد يرتاب فيه عاقل, فإنَّ علمَه وشريعته متداولة بين أمته إلى يوم القيامة, وسنَّة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من بعض ماهو من سنن محمد - صلى الله عليه وسلم - التي دعا إليها وأمر بالاستنان بها, وقنوت محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم فإنه - صلى الله عليه وسلم - لما نزل عليه: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] قام فصلى حتى تفطرت قدماه فقيل له: قد غُفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر, فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»

وصلّى حتى أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 1 - 3] .

(فصل)

وأما قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] : أي وفَّى بما ابتلاه به من قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة 124]

اختلف العلماء في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما:"هي ثلاثون سهمًا, وهي شرائع الإسلام لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم - عليه السلام - أتمهنَّ فكُتِب له البراءة فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] وهي عشر في سورة براءة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ... } إلى آخرها [التوبة: 112] "

وعشر في الأحزاب: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... } إلى آخرها [الأحزاب: 35] وعشر في المؤمنين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... } [المؤمنون: 1] وقوله: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ ... } [المعارج: 22] في سأل سائل", وروى طاوس عن ابن عباس أيضًا قال:"ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي من الفطرة والطهارة, خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتي في الرأس قصُّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرّأس, والتي في الجسد تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء", وقال مجاهد:"هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ... } [البقرة 124] إلى آخر القصة"."

وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج, وقال الحسن: سبعة أشياء ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس وأحسن النظر في ذلك وعلم أن ربَّه دائم لا يزول أبدًا وابتلاه بالنَّار فصبر على ذلك وابتلاه بالهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه فصَبر [على ذلك] وبالختان فصبر على ذلك؛ وقال أبو رَوْقٍ: هي قوله: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) ... } [الشعراء: 78]

إلى آخر الآيات؛ وقال بعضهم: هي أن الله تعالى ابتلاه في ماله وولده ونفسه وقلبه, فسَلَّم مالَه للضيفان, وولدَه إلى القربان, ونفسه إلى النيران, وقلبه إلى الرحمن, فاتخذه خليلًا؛ وقيل هي: سهام الإسلام وهي عشرة: شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة, والصلاة وهي الفطرة, والزكاة وهي الطُهْرة, والصوم وهو الجُنّة, والحج وهو الشريعة, والغَزْو وهو النصرة, والطاعة وهي العصمة, والجماعة وهي الأُلفة, والأمر بالمعروف وهو الوفاء, والنهي عن المنكر وهو الحجة, فأتمهن, وقام بهن, ووفَّى بهن, فقال الله تعالى له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة 124] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت