فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 93

بسم الله الرحمن الرحيم, رب يسر وأعن ووفق.

الحمد لله الذي رفع بعض الكائنات فوق بعض درجات وفَضّل, وأتْحَف مَن شاء ما شاء ووهب ونحَل ونفَّل, وخصّص من أحب بما أحب وأعطى وأجزل, وغاير بين المخلوقات وخالف وميَّز وفَضَّل, لتظهر آثار حكمته ومشيئته في خليقته ويتحصَّل, أحمده على ماحكم فأغنى وأقنى وأفقر فأرمل, وجاد وتطوَّل, ومنح فأحسن وأجمل, وأشكره على ماخوَّل ومَوَّل ونوَّل, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له القديم الأوَّل, الآخر الظاهِر الباطِن القادر القائم فلا يتحوَّل, الملك القدُّوس السلام المؤمِن المهيمن المحيط علمًا بالعالي والأسفل, العزيز الجبَّار المتكبر الذي كسَر الأكاسرة وقصر القياصرة ودوَّخ وذلَّل, الخالق البارئ المصوِّر الذي أحسن كلَّ شيء خلقه وأكمل, سبحانه وتعالى عما يقول من أشرك به وتمحَّل, وأشهد أن محمدًا عبده المرسل ونبيُّه المفضَّل, الذي جمع أحاسن المحاسِن وأفاخِر المفاخِر وذَيَّل, ورقى على أعلى قُلَلِ العلاء وأَشْرفِ شُرَف الشَّرَف وتوقَّل, فهو خير من أكل وأكرم من توكَّل, وأنجح من توسل به وأقرب من تَوسَّل, وأحسن من تُجمِّل به وأزين من

تَجمَّل, وأعظم الخلق عند الله تعالى منزلة وأفخم وأنبل, صلى الله عليه وسلم وكرَّم وعظم وبجَّل, وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وزاد وأفضل.

أما بعد: فلله سبحانه في خلقه وأمره أسرار, وفي قدرته ومشيئته وتدبيره أمور كبار, لا تدركها الأبصار ولا تحيط بكُنهها الأفكار, قال الله سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص 68] .

لما خلق الله تعالى الخلق قسَمه قسمين: جمادًا وذا حياة, فاختار ذا الحياة على الجماد وفضَّله عليه, ثم قسم ذا الحياة قسمين: حيوانًا ونباتًا, فاختار الحيوان على النبات وفضَّله عليه, ثم قسم الحيوان إلى قسمين: ناطقًا وصامتًا,

فاختار النَّاطق على الصَّامت وفضَّله عليه, ثم قسم الناطق قسمين: آدميًّا وغيره, فاختار الآدميَّ على غيره وفضَّله عليه, ثم قسم الآدمي قسمين: عاقلًا وغير عاقل, فاختار العاقل على غيره وفضَّله عليه, ثم قسم العاقل قسمين: مؤمنًا وغيره, فاختار المؤمن على غيره وفضَّله عليه, ثم قسم المؤمن قسمين: عالمًا وغيره, فاختار العالم على غيره وفضَّله عليه, ثم قسم العالم قسمين: أنبياء وغيرهم, فاختار الأنبياء على غيرهم وفضَّلهم عليهم, وهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي, فهم خيرته من خلقه, ثم قسم الأنبياء قسمين: رسُلًا وغيرهم, فاختار الرسل على غيرهم وفضَّلهم عليهم, وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولًا, فهم خيرته من الأنبياء, ثم قسم الرسل قسمين: أولي عزم وغيرهم, فاختار أولى العزم على غيرهم وفضَّلهم عليهم وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم, فهم خيرته من رسله عليهم الصلاة والسلام, ثم اختار من أولي العزم الخليلين إبراهيم ومحمّدًا صلى الله عليهما وسلم, فهما خيرته من أولي العزم من الرسل, ثم اختار منهما الحبيب محمدًا - صلى الله عليه وسلم -, فهو المختار المصطفى من جميع الخلق.

عن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله إنّ قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مَثَلك مَثل نخلة نَبَتتْ في كَبْوة من الأرض فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم ثم حين فرَّقهم جعلني في خير الفريقين, ثم حين جعل القبائل جعلني في خير قبيلة, ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم, فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا» , وقد خلق الله تبارك وتعالى النفوس مختلفة, فمنها الغاية في الجَودة والجوهريَّة, ومنها المتوسط ومنها الكدر, وجعل في كل مرتبة درجات لتظهر أسرارُ حكمته في الخلق, فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الغاية في الجودة, خُلقت أبدانهم سليمة من عيب فصلحت لحلول النفوس الكاملة, ثم هم يتفاوتون أيضًا في المراتب, ويتميَّز بعضهم على بعض في المناقب وعلوِّ المناصب, وكان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أصحَّ الأنبياء مزاجًا, وأكملهم بدنًا, وأصفاهم رُوحًا, وبمعرفة ما نذكره من أحواله وأخلاقه وصفاته يتبين فضله, ولذلك قدَّمه الله تعالى على الكُل, فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم خلاصة الوجود, وواسطة العقود, وهم خيرة الخلائق, وصفوة الخالق, وهم في الفضل طبقات, وفي القدر درجات قال الله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء 55] فكلٌ له رتبة لا يتعدَّاها , ومنزلة لا يدرك غيره مَداها, وغاية إذا بلغ منتهاها تناهى, وجعل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من الرتب أعلاها, ومن المنازل أسماها, ومن المعجزات أعظمهما وأقواها, ومن المنقبات أجملها وأبهاها, ومن الفضائل أُولاها وأُخراها, ومن المحاسن أَوْلاها وأَحراها, ففي حديث الإسراء عنه - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى جمع الأنبياء والملائكة صفوفًا قال فقدَّمني وأمرني أن أصلِّي بهم فصليت بهم ركعتين, ثم إنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أثنوا على ربهم سبحانه, فقال إبراهيم - عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا وأعطاني مُلكًا عظيمًا وجعلني أمَّة قانتًا يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليَّ بردًا وسلامًا, ثم إن موسى - عليه السلام - أثنى على ربه تعالى فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كَلَّمني تكليمًا وجعل هلاك فرعون على يدي ونجَّا بني إسرائيل على يدي وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون, ثم إن داود - عليه السلام - أثنى على ربه تعالى فقال: الحمد لله الذي جعل لي مُلكًا عظيمًا وعلَّمني الزَّبور وألان لي الحديد وسخَّر لي الجبال يسبّحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب, ثم إن سليمان - عليه السلام - أثنى على ربه فقال:

الحمد لله الذي سخَّر لي الرياح وسخَّر لي جنود الشياطين يعملون لي ماشئت من محاريب وثماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات وعلَّمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلًا وآتاني ملكًا عظيمًا لاينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكًا طيِّبًا ليس عليَّ فيه حساب, ثم إن عيسى - عليه السلام - أثنى على ربِّه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي جعلني كلمةً منه وجعل مَثَلي مَثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون, وعلَّمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ورفعني وطهّرني وأعاذني وأمّي من الشيطان الرجيم ولم يكن للشيطان علينا سبيل, ثم إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قال: كلُّكم قد أثنى على ربّه وإني مُثْنٍ على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمةً للعالمين وكافةً للناس بشيرًا ونذيرًا وأنزل عليّ الفرقان فيه تبيان كل شيء وجعل أمَّتي خير أمَّة أخرجت للناس وجعل أمَّتي (أمَّة) وَسَطًا وجعل أمَّتي هم الأولين والأخرين وشرح لي صدري ووضع عنِّي وِزْري ورفع لي ذكري وجعلني فاتِحًا وخاتِمًا فقال إبراهيم - عليه السلام: بهذا فَضَلَكم محمد - صلى الله عليه وسلم -».

وفي حديث الإسراء أيضًا أنه قال: «قيل لي: سل, فقلتُ: ياربِّ اتخذتَ إبراهيم خليلًا وكلَّمتَ موسى تكليمًا ورفعت إدريس مكانًا عليًا وآتيت سليمان ملكًا عظيمًا وآتيتَ داود زبورًا فما لي ياربّ, فقال لي ربي - عز وجل: يا محمد اتخذتك حبيبًا كما اتخذت إبراهيم خليلًا وكلَّمتك كما كلَّمتُ موسى تكليمًا وأعطيتك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة وكانا من كنوز عرشي ولم أعطها نبيًّا قبلك وأرسلتك إلى أهل الأرض جميعًا أبيضهم وأسودِهم إنسهم وجنِّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبيًّا قبلك وجعلت الأرض كلّها بَرَّها وبحرها طهورًا ومسجدًا لك ولأُمَّتك وأطعمت أمَّتك الفيء ولم أُطعمه أمَّة قبلهم ونصرتك بالرعب على عدوّك مسيرة شهر وأنزلت عليك سيِّد الكتب كُلِّها ومهيمنًا عليها قرآنًا فرقناه ورفعت لك ذكرك حتى تُذكَر كلَّما ذُكرتُ من أجلِّ شرائع ديني وأعطيتك مكان التوراة المثاني ومكان الإنجيل المئين ومكان الزبور الحواميم وفضّلتك بالمُفصَّل وشرحتُ لك صدرك ووضعتُ عنك وزرك وجعلتُ أمَّتك خير أمَّة أخرجت للنَّاس وجعلتهم أمَّة وسطًا وجعلتهم الأولين وهم الآخرون فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ثم أفضى إليَّ بعدها أمورًا لم يُؤذن لي أن أخبركم بها ... » وذكر باقي الحديث.

وفي حديث أنس - رضي الله عنه - أيضًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لواء الحمد بيدي ولا فخر, آدم ومَن دونه من النبيين تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر» وفي حديث أنس - رضي الله عنه - أيضًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ويجيء النبي ومعه الرجلان وأنا أكثر الناس تَبَعًا يوم القيامة»

رواه البخاري.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ لكل نبي دعوة دعا بها في أمَّته, وخبأتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة»

أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس مثلَه سواء.

وفي رواية: «اختبأت دعوتي شفاعةً لأمَّتي لأنَّها أعمُّ وأكفأ»

وفي هذا الحديث الشريف دليل ظاهر على فضل نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وإشارة بيِّنة إلى أن كل فضيلةٍ لنبي من الأنبياء قد شاركه فيها وزاد عليه فيما يشابهها ويُقاربُها مما تظاهرت به الأخبار وتواطئت عليه الآثار عن علماء الأمصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت