فإن قيل فما معنى قوله تعالى (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) [[وهل الرؤية ههنا العلم والإدراك بالبصر وهب أنها يمكن أن تكون في قوله تعالى (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) محمولة على رؤية البصر لأن الآيات والأدلة مما تشاهد كيف تحمل الرؤية الثانية على العلم وسبيل الرشد إنما هي طريقة ولا يصح أن يرجع بها إلى المذاهب والاعتقادات التي لا يجوز عليها رؤية البصر فلابد إذا من أن يكون المراد به رؤية العلم ومن علم طريق الرشد لا يجوز أن ينصرف عنه إلى طريق الغي لأن العقلاء لا يختارون مثل ذلك ..
قلنا الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه] ]:
أحدها أن يكون المراد بالرؤية الثانية رؤية البصر ويكون السبيل المذكور في الآية هي الأدلة والآيات لأنها مما يدركه بالبصر ويسمى سبيل الرشد من حيث كانت وصلة إلى الرشد وذريعة إلى حصوله ويكون سبيل الغي هو الشبهات والمخاريق التي ينصبها المبطلون والمدغلون في الدين فيوقعوا بها الشبهة على أهل الإيمان وتسمى بأنها سبيل الغي وإن كان النظر فيها لا يوجب حصول الغي من حيث كان المعلوم ممن تشاغل بها واغتر بأهلها أنه يصير إلى الغي. والوجه الثاني أن يكون المراد بالرؤية العلم إلا أن العلم لا يتناول كونها سبيلا للرشد وكونها سبيلا للغي بل يتناولها لا من هذا الوجه ألا ترى أن كثيرا من المبطلين يعلمون مذاهب أهل الحق واعتقاداتهم وحججهم إلا أنهم يجهلون كونها صحيحة مفضية إلى الحق فيتجنبونها وكذلك يعلمون مذاهب المبطلين واعتقاداتهم الباطلة إلا أنهم يجهلون كونها باطلة ويعتقدون صحتها بالشبهة فيصيرون إليها وعلى هذا الوجه لا يجب أن يكون الله تعالى وصفهم بالغي وترك الحق مع العلم به.
والوجه الثالث أن يكونوا عالمين بسبيل الرشد والغي ومميزين بينهما إلا أنهم للميل إلى أعراض الدنيا والذهاب مع الهوى والشبهات يعدلون عن الرشد إلى الغي ويجحدون ما يعلمون كما أخبر الله سبحانه عن كثير من أهل الكتاب بأنهم يجحدون الحق وهم يعلمونه ويستيقنونه ..
فإن قيل فما معنى قوله تعالى (ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) والتكذيب لا يكون في الحقيقة إلا في الأخبار دون غيرها ..
قلنا التكذيب قد يطلق على الأخبار وغيرها ألا ترى أنهم يقولون فلان يكذب بكذا إذا كان يعتقد بطلانه كما يقولون يصدق بكذا وكذا إذا كان يعتقد صحته ولو صرفنا التكذيب ههنا إلى أخبار الله تعالى التي تضمنتها كتبه الواردة على أيدي رسله جاز فتكون الآيات ههنا هي الكتب المنزلة دون سائر المعجزات ..