فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 85

قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتًا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" [البقرة: 127] ، قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت وهما يقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم".

وروى أبو داود الطيالسي عن علي رضي الله عنه قال:

لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا؛ من يضعه؟ فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن

يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه.

وروى أحمد عن مجاهد عن مولاه - وهو السائب بن عبد الله - أنه حدثه:

أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية، قال: وكان لي حجرًا أنا تحته [بيدي] أعبده من دون الله، قال: وكنت أجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسه، فأصبه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يشغر فيبول عليه! قال:

فبينا حتى بلغنا موضع الحجر، ولا يرى الحجر أحد، فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل، يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا. فقالوا: أول رجل يطلع من الفجّ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فرفعوا نواحيه [معه] ، فوضعه هو صلى الله عليه وسلم.

قلت: وقد كانوا أخرجوا منها الحجر - وهو ستة أذرع، أو سبعة أذرع من ناحية الشام - قصرت بهم النفقة - أي: لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم - وجعلوا للكعبة بابًا واحدًا من ناحية المشرق، وجعلوه مرتفعًا لئلًا يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا.

وقد ثبت في (( الصحيحين ) )عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الهل عليه وسلم قال لها:

(( ألم تري أن قومك قصرت بهم النفقة؟ ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، وأدخلت فيها الحجر ) ).

ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء، كاملة على قواعد الخليل، لها بابان ملتصقان بالأرض شرقًا وغربًا، يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر.

فلما قتل الحجاج ابن الزبير؛ كتب إلى عبد الملك بن مروان - وهو الخليفة يومئذٍ- فيما صنعه ابن الزبير - واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه - فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه ... فهي إلى الآن كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت