فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيب فيما فعل.
وقال البخاري:
وقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( أريت دار هجرتكم؛ ذات نخل بين لابتين ) ).
فهاجر من هاجر قبل (المدينة) ، ورجع من كان هاجر بأرض الحبشة إلى (المدينة) .
وفيه عن أبي موسى وأسماء رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تقدم حديث أبي موسى (ص 170) ، وهو في (( الصحيحين ) )، وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح (خيبر) حين قدم من كان تأخر من مهاجرة
(( إن في الصلاة شغلًا ) ).
وهو يقوي تأويل من تأويل حديث زيد بن أرقم الثابت في (( الصحيحين ) ):
كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} ، فأمرنا بالسكوت، ونُهينًا عن الكلام.
على أن المراد جنس الصحابة، فإن زيدًا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بـ (مكة) ، فتعين الحمل على ما تقدم.
وأما ما ذكره الآية - وهي مدنية - فمشكل، ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك، وإنما كان المحرم له غيرها معها. والله أعلم.
@قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه - كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة - حين ضاقت عليه (مكة) ، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة؛ فأذن له.
فخرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرًا؛ حتى إذا سار من (مكة) يومًا أو يومين لقيه ابن الدّغنة - أخو بني الحارث بن يزيد؛ أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة - وهو يومئذ سيد الأحابيش.
[قال ابن إسحاق: و (الأحابيش) : بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة.
@قال ابن هشام: تحالفوا جميعًا، فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له: (الأحبش) بأسفل (مكة) للحلف] .
فقال: [ابن الدغنة] : إلى أين يا أبا بكر؟
قال: أخرجني قومي، وآذوني، وضيّقوا علي.
قال: ولم؟ والله؛ إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فإنك في جواري.
فرجع معه، حتى إذا دخل (مكة) قام معه ابن الدّغنة فقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير.