فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 85

وأما الكهان من العرب؛ فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره، ولا يلقي العرب لذلك فيه بالًا حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.

فما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر زمان بعثه؛ حُجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر الله عز وجل.

قال [ابن إسحاق] :

وفي ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا. يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نُشرك بربنا أحدًا} [الجن: 1 و 2] إلى آخر السورة.

وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا (( التفسير ) )، وكذلك قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الْحَقِّ وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 29 و 30] الآيات. ذكرنا تفسير ذلك كله هناك.

@فصل

@قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:

إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبنهم شرورو، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن؛ نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.

فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] .

وروى ابن إسحاق عن سلمة بن سلامة بن وقش - وكان من أهل بدر - قال:

كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل - قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا، عليّ فروة لي مضجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث، والحساب والميزان، والجنة والنار. قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان! أو ترى هذا كائنًا؛ أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟! قال: نعم؛ والذي يحلف به، ويودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت