فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟
فقالوا: نقول - والله - الذي قاله الله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه.
فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟
فقال له جعفر: نقول: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا بين إصبعيه، فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد.
فتناخرت بطراقته، فقال: وإن تناخرتم والله!
اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض (الشيوم: الآمنون في الأرض) ، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم (ثلاثًا) ما أحب أن لي دبرًا وأني آذيت رجلًا منكم. (والدبر بلسانهم: الذهب) .
ثم قال النجاشي: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي، ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي.
فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ماجاءا به.
قالت: فاقمنا مع خير جار في خير دار.
فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه الملك.
فوالله ما علمتنا حزنّا حزنًا قط هو أشد منه فرقًا من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه.
فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا.
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون.
وقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا: أنا.
فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة.
فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.
فجاءنا الزبير فجعل يليح لنا بردائه ويقول: ألا فابشروا؛ فقد أظهر الله النجاشي.
قالت: فوالله؛ ما علمتنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي.
ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى (مكة) وأقام من أقام.
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: أتدري ما قوله: (( ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ؛ فاطيع الناس فيه؟! ) )؟
فقلت: لا؛ ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة. فقال عروة: فإن عائشة حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا