أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه
وهو يوحى إليه بـ (الجعرانة) ؛ فإذا هو محمر الوجه، وهو يغط كما يغط البكر.
وثبت في (( الصحيحين ) )من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى (المناصع) ليلًا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة! فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده، فأوحى الله إليه، [ثم يرفع عنه] ، والعرق في يده [ما وضعه] ، ثم رفع رأسه فقال:
(( إنه قد أذن لكن أن تخرجتن لحاجتكن ) ).
فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية؛ بدليل أنه جالس، ولم يسقط العرق أيضًا من يده؛ صلوات الله وسلامه دائمًا عليه.
وروى أبو يعلى عن الفلتان بن عاصم قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل
عليه، وكان إذا أُنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل، [فكنا نعرف ذلك منه] .
وروى أحمد وأبو نعيم عن أسماء بنت يزيد قالت:
(( إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه(المائدة) كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة.
وروى أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو قال:
أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (المائدة) وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها.
وروى ابن مردويه عن أم عمرو عن عمها:
أنه كان في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه سورة (المائدة) ، فاندقّ عنق الراحلة من ثقلها.
وهذا غريب من هذا الوجه.
ثم قد ثقت في (( الصحيحين ) )نزول سورة (الفتح) على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية وهو على راحلته، فكان يكوت تارة وتارة، بحسب الحال، والله أعلم.
@فصل
قال الله تعالى: {لا تحرك به لسانه لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 16 - 19] .
وقال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا} [طه: 114]
وكان هذا في الابتداء؛ كان عليه الصلاة والسلام من شدة حرصه على أخذه من املك ما يوحى إليه عن الله عز وجل يسابقه في التلاوة، فأمره الله تعالى أن ينصت لذلك