فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 85

(( أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بالذبح ) ).

فأخذت القومَ كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه [بأحسن ما يجد من القول] ، حى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم! راشدًا، فـ [والله؛] ما كنت جهولًا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى ِإذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه.

فبيمنا هم في ذلك [إذ] طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول: كذا وكذا؟! لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( نعم؛ أنا الذي أقول ذلك ) ).

ولقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي دونه ويقول: {أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله} [غافر 28] ؟! ثم انصرفوا عنه.

فإن ذلك لأكثرُ ما رأيت قريشًا بلغت منه قط.

@فصل

في تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم

فابى عليهم ذلك بحول الله وقوته

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد؛ إلا ما يواري إبط بلال ) ).

أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي:

(( حديث حسن صحيح ) ).

@فصل

فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم

وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعًا من الآيات وخرق العادات

على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى والرشاد

فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا، ولا ما إليه رغبوا؛ لعلم الحق سبحانه؛ أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردّون.

قال الله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 109 - 111] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت