فهرس الكتاب
فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم، ومنهم من يصلُب لهم، ويعصمه الله منهم.
وقد تقدم حديث ابن مسعود:
أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد.
فأما رسول الله فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا؛ إلا بلالًا؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحد أحد.
وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال:
(( أبشروا آل عمار وآل ياسر! فإن موعدكم الجنة ) ).
رواه البيهقي عن الحاكم.
قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106] .
فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.
وعن خباب بن الأرت قال:
كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله؛ لا أقضيك حتى تكفر بمحمد! فقلت: لا والله؛ لا أكفر بمحمد
حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت؛ جئتني ولي ثمّ مالٌ وولد فأعطيك، فأنزل الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا} إلى قوله: {ويأتينا فردًا} [مريم: 77 - 80] .
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم في (( الصحيحين ) )، وفي لفظ البخاري:
كنت قينًا بـ (مكة) ، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه ... فذكر الحديث.
وفي طريق أخرى له عنه قال:
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال:
(( لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنّ الله هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من(صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل (زاد بيان: والذئب على غنمه ) )).
وفي رواية: (( ولكنكم تستعجلون ) ).