أشفق أن يخر عليّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا فتركاني، وفرقتُ فرقي شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت: أعيذك بالله. فرحلت بعيرًا لها، وحملتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيتُ، فلم يرُعها، وقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام )) .
وثبت في (( صحيح مسلم ) )عن أنس بن مالك:
(صحيح)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج معه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره.
وفي (( الصحيحين ) )عن أنس، وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء - كما سيأتي - قصة شرح الصدر ليلتئذٍ، وأنه غسل بماء زمزم.
ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين: مرة وهو صغير؛ ومرة ليلة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى، ولمناجاة الرب عز وجل، والمثول بين يديه سبحانه وتعإلى.
والمقصود أن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير، ثم عادت على هوازن- بكمالهم- فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر، فمتّوا إليه برضاعه فأعتقهم، تحنن عليهم، وأحسن إليهم؛ كما سيأتي مفصلًا في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن إسحاق في وقعة (هوازن) : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (حنين) ، فلما أصاب من أموالهم وسباياهم؛ أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله! إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله! إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك؛ رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشد
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافًا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلمًا حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر