المقطع الثامن:
قال المصنف (واعلم أن اللَّه سبحانه - من حكمته - لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا} [1] .
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج، كما قال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} [2] .
عنوان المقطع: كل نبي له أعداء معهم حجج وبراهين.
ملخص هذا المقطع: كل نبي جعل اللَّه له أعداء يعادونه، ويُثيرون حوله الشبه والإشكالات، ويقاومونه.
وقصد المصنف من هذه التوطئة أن ما يثار حول هذه الدعوة من شبه وحجج ومقالات، ضمن هذه السنة، ولابد أن يوجد ذلك لكل داعية، أو طالب علم يقوم بهذا الدين ويوجه الناس، فلابد له من أعداء يقاومونه، ويُثيرون حوله الشبه، وعندهم قدرات مادية وكلامية، فيحاربون على الصعيدين المادي والكلامي.
قول المصنف (لم يبعث نبيًا) أي حتى النَّبِيّ له أعداء، فمن باب أولى الرسول، لأن النَّبِيّ أعم من الرسول.
قول المصنف (التوحيد) أل: للعهد الذكري، ويقصد به توحيد الألوهية.
قول المصنف (إلا جعل) الجعل جعلان:
1 -شرعي يحبه اللَّه، ودليله قوله تعالى: {جعل اللَّه الكعبة البيت الحرام} [3] ، وقوله تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} [4] .
2 -جعل قدري كوني، ودليله قوله تعالى: {وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا} [5] ، وقوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا} [6] .
ولا يلزم أن اللَّه يحبه لكنه مرتبط بالمشيئة، وقول المصنف (إلا جعل له أعداء) : الجعل هنا قدري كوني، فهي إذن سنة ثابتة في كل زمان ومكان.
قول المصنف: (له أعداء) الأعداء جمع عدو وهو: ما يسره ما يسؤك، ويسوءه ما يسرك قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} [7] ، وهذا ضابط العدو.
قول المصنف: (قال اللَّه تعالى: {وكذلك جعلنا لكلِّ نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا} [8] .
شياطين الإنس والجن وأعداء أهل الصلاح على قسمين: جن وأنس، يتساعدون في هذا الأمر، قوله (زخرف القول) معهم حجج وأقوال وشبه قد تقبل.
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، ويقصد بالعلوم الكثيرة هنا: ما في الصدور، والعلوم المكتوبة. وذكر أن لأعداء الله ثلاثة أشياء 1 ـ علوم كثيرة 2 ـ كتب 3 ـ حجج، وعطف بعضها على بعض فهل هو عطف الترادف أو التباين أو ماذا؟ يحتمل هذا ويحتمل هذا، وليس في السياق ما يرجح أحد الاحتمالين ولا أذكر للمصنف كلام آخر يوضح ذلك وإن كان الأصل في العطف التباين،
قوله: (وحجج) ، أي: العلوم والكتب التي يستدلون لهم بها. والحجج يستدلون بها على دفع الخصم. ثم ذكر الدليل وهو قوله تعالى: (في آخر الآية {من العلم} ) أي التي ذكرها هنا وهى الكتب والحجج، والعلم الذي عندهم هو العلم الباطل، فالألف واللام ليست للعموم بل علم الكتب والحجج الباطلة،.
مسألة: هل يجوز أن يقال إن الكفار عندهم علم وعلماء؟
نعم يجوز قول أن الكفار عندهم علم وعلماء في باب الدين والثقافة والفكر، ولكنه علم باطل وعلماء كذلك أهل باطل،
قضية معاصرة:
(1) الأنعام: 112.
(2) غافر: 83.
(3) المائدة: 97.
(4) الزخرف: 128.
(5) الحجرات: 13.
(6) الفرقان: 47.
(7) آل عمران: 120.
(8) الأنعام: 112.