فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 134

قال المصنف (فإن قال: أنا لا أشرك باللَّه شيئًا حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك!.

فقل له: إذا كنت تقر أن اللَّه حرّم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر: أن اللَّه لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرّمه اللَّه وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري.

فقل له: كيف تُبرِّىءُ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يُحرِّم اللَّه عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره؟ ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن اللَّه يحرِّمه ولا يبيِّنه لنا؟

فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام؟

فقل له: ما معنى عبادة الأصنام، أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها، فهذا يكذِّبه القرآن، كما في قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} [1] .

وإن قال: هو من قصد خشبةً، أوحجرًا، أو أبنيةً على قبرٍ، أو غيره، يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون إنه يقربنا إلى اللَّه زلفى، ويدفع اللَّه عنا ببركته، أو يعطينا ببركته

فقل له: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها، فهذا أقرَّ: أنّ فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب.

ويقال له -أيضًا-: قولك الشرك عبادة الأصنام، هل مُرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يردُّهُ ما ذكر اللَّه في كتابه من كُفر من تعلّق على الملائكة، وعيسى، والصالحين.

فلابد أن يُقِرَّ لك أن من أشرك في عبادة اللَّه أحدًا من الصالحين، فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب.

وسِرُّ المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك باللَّه، فقل له: وما الشرك باللَّه؟ فسره لي؟ فإن قال هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي؟ فإن قال: أنا لا أعبد إلا اللَّه وحده، فقل: ما معنى عبادة اللَّه وحده فسرها لي؟ فإن فسرها بما بيّنه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسّر ذلك بغير معناه، بيَّنْتَ له الآيات الواضحات في معنى الشرك باللَّه وعبادة الأوثان، وأنه هو الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة اللَّه وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه، كما صاح إخوانهم، حيث قالوا {أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب} [2] .

مضمون هذه الشبهة:

انحرافهم في تعريف الشرك، فلا يجعلون الدعاء والالتجاء يدخل في تعريف الشرك، وهذا الانحراف في تعريف الشرك هو مثل انحرافهم في الشبهة الرابعة في تعريف العبادة.

والسبب في إثارة هذه الشبهة:

أنهم يُعرِّفون الشرك بأنه: عبادة الأصنام. وبعضهم عرَّف الشرك بأنه: السجود للأصنام. وبعضهم عرَّف الشرك بأنه: اعتقاد التأثير في غير اللَّه. وبعضهم عرَّف الشرك بأنه: اعتقاد الربوبية في غير اللَّه.

وهذه الشبهة تبناها في عصر الشيخ، المدعو محمد بن عبد المجيد الفاسي، المتوفى سنة 1227هـ. قال في كتابه (الرد على بعض المبتدعة من الطائفة الوهابية) قال:"إنَّما كفر أهل الجاهلية بعبادة الأصنام".

وقال أحمد دحلان: وهذا أتى بعد عصر الشيخ، وكان مفتي الشافعية في زمانه، ألف كُتبًا كثيرةً في الرد على هذه الدعوة، من هذه الكتب (التحف السنية في الرد على الوهابية)

قال:"الشرك اعتقاد التأثير في غير اللَّه"، وقال:"ليس هناك مسلم يعتقد التأثير في غير اللَّه"، ومرة قال:"الشرك اعتقاد الربوبية في غير اللَّه".

وكونهم يُعَرِّفون الشرك بأنه عبادة الأصنام، أو اعتقاد الربوبية في غير اللَّه، فهذا مفهوم ضيق للشرك، وإن كان ما قالوه حقًا، لكنه بعض الحق وليس كل الحق.

أمَّا تعريف الشرك الذي يجمع جوانبه:

(1) يونس: 31.

(2) ص: 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت