فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 134

المقطع الأول:

قال المصنف رحمه اللَّه: (اعلم رحمك اللَّه أن التوحيد هو: إفراد اللَّه بالعبادة، وهو دين الرسل، الذي أرسلهم اللَّه به إلى عباده، فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه، لما غلوا في الصالحين: ودٍّ وسواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونسرٍ، وآخر الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين) .

العنوان: بيان أن دعوة الرسل هي إفراد اللَّه بالعبادة:

قول المصنف رحمه اللَّه (اعلم رحمك اللَّه .. ) "اعلم"كلمة يؤتى بها للاهتمام بما بعدها،

والعلم: هو معرفة المعلوم على ما هو عليه [1] ، وفسرنا العلم بالمعرفة، وهذا الذي اختاره المؤلف في ثلاثة الأصول: قال: العلم هو معرفة اللَّه، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام، بالأدلة.

فتفسير العلم بالمعرفة، يدل عليه قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .. } [2] [3] .

ويطلق العلم على العمل بدليل أنه يجوز نفي العلم والوصف بالجهل عمن لا يعمل.

قال مجاهد:"من عصى اللَّه فهو جاهل"، وفعل المعصية يطلق عليه جهلًا. قال ابن تيمية (إن كل عاصي فهو جاهل وهو قول الصحابة والتابعين) الفتاوى 11/ 675 - 690، والجهل هو عدم المعرفة وعدم العمل، وسميت الجاهلية للجهل ولعدم العمل،

وينقسم الجهل إلى قسمين:

1 -جهل بسيط: وهو عدم المعرفة.

2 -جهل مركب: وهو معرفة الشيء على خلاف ما هو عليه، فالجهل المركب هو الذي يعطي معلومات خاطئة، ويظن أنه يفهم، فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري وسمى مركبا لأنه مركب من جهلين،

قول المصنف: (رحمك اللَّه) .

هذا دعاء من المصنف ومن عادته رحمه الله في كتبه يدعو للسامع وللقارئ، وهذا من إخلاص المؤلف ومحبته.

قول المصنف (أن التوحيد) يقصد بالتوحيد هنا توحيد العبادة وهو توحيد الألوهية، بدليل أنه فسر التوحيد بالعبادة.

فأراد المصنف نوعًا من أنواع التوحيد ولم يُرد كل التوحيد، بل أراد توحيد العبادة، و توحيد الألوهية وأحيانا يسمى توحيد الإرادة والطلب والقصد، ثم عرَّف توحيد الألوهية تعريفًا جامعًا فقال: هو إفراد اللَّه بالعبادة. ومعنى إفراد اللَّه: تتضمن شيئين: الأول: إثبات العبادة لله. الثاني: نفي العبادة عمّا سوى اللَّه، ولا تسمى إفرادًا حتى تجمع بين النفي والإثبات، فلو قلت: قام محمد. هنا أثبت له القيام، ولكن لم توحده بالقيام لاحتمال أن أحدًا قائمٌ معه.

أمَّا إذا قلت: ما قام إلا محمد، فهنا وحدته بالقيام، لأنك أتيت بالنفي، وهو قول (ما) ثم أعقبته بالإثبات، وهو قول (إلا) فمن عبد اللَّه، ثم ذبح لغير اللَّه، أوعبد الله ثم شرع قانونًا، فهنا لم يوحد اللَّه.

(1) هذا نص تعريف أبي يعلى في كتابه العُدة في أصول الفقه 1/ 76، ط. دار الرسالة، واختاره أيضًا أبو الخطاب الحنبلي في كتابه التمهيد.

(2) البقرة: 146.

(3) أمَّا أهل البدع فاختلف تعريفهم للعلم وكل من عرّف العلم بتعريف فإنه متأثر بمسألة الأسماء والصفات لله، فالمعتزلة مثلًا تتحاشا أن تعرّف العلم بتعريف يفهم منه إثبات صفة العلم لله تعالى، أو أن يعرفونه بتعريف يوحي بحلول الحوادث أو الأشياء كما زعموا لأن هذا يُقيم الحجة عليهم، لذا عرّف المعتزلة العلم: بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، فقصروا العلم على = =الاعتقاد فقط.

أمَّا الأشاعرة فالعلم عندهم هو الإدراك أو تبيّن المعلوم، وناقشهم أبو يعلى وقال: لا يكفي الإدراك في تفسير العلم لأن الإدراك بعض العلم، فالإدراك معرفة الأشياء التي تُعرف بالحواس فقط وتدرك بها، فهناك علم يعرف ويدرك بغير الحواس، أمَّا تعريف أن العلم هو التبيّن قال: فهذا يُبْطَل بعلم اللَّه لأنه لا يوصف بأنه مبيِّن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت