قال المصنف:(فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن اللَّه هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم، أرجو من اللَّه شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى} [1] ، وقوله تعالى: {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه} [2] .
واعلم أن هذه الشبه الثلاث [3] هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن اللَّه وضّحها لنا في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا، فما بعدها أيسر منها) .
هذه الشبهة قريبة جدًا من الشبهة الأولى، وقد يشق أحيانًا التفريق بينهما.
لكن الفارق بينهما:
أن الأولى قولهم إننا نطلب من الله بهم أي هم واسطة وشفعاء فقط وهذه الثالثة يريدون أن يثبتوا أنهم غير المشركين الأصليين والفرق أن الطلب من الأصليين مباشرة من آلهتهم أما هم فالطلب ليس مباشرة بل بالواسطة،
مضمون هذه الشبهة:
هؤلاء المشركون الذين يناقشهم المصنف يقولون: إن هناك فرقًا بيننا وبين المشركين، فالمشركون يريدون من الأصنام فيقولون: يا أصنام اُرزقينا، أعطينا، اكشفي كربتنا وهكذا، فالطلب مستمد من الأصنام مباشرة بدون واسطة، أمَّا نحن فلا نطلب من الأولياء مباشرة إنَّما هم واسطة، فلا نقول: يا عبد القادر اكشف كربتي، لا وحاشا بل نقول: يا عبد القادر أدعو اللَّه لنا بكشف الكربة، أو اشفع لنا عند اللَّه، فهم مجرد واسطة فقط فكيف تجعلون من طلب من غير اللَّه كمن طلب من اللَّه لكن بواسطة الصالحين.
ولذا قال المصنف: (فالكفار يريدون منهم) أي من الأصنام بقولهم يا عزى ويا منآة اكشف كربتي أو اشفِ مريضي.
ثم قال المصنف على لسانهم: (وأنا أشهد أن اللَّه هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه) أي هو الكاشف لكن الأولياء واسطة، فإذا قلت يا عبد القادر أدعو اللَّه أن يكشف كربتي، فأنا أطلب من اللَّه بواسطة عبد القادر، وليس كمن دعا الأصنام مباشرة.
ولذا قال المصنف (أقصدهم أرجو من اللَّه شفاعتهم) .
أقصدهم: أي أقول يا عبد القادر، أي أن يسبق اسم الوليّ"يا"النداء، ثم"ادعُ اللَّه ليّ"أو"اشفع لي عند اللَّه"، هذا هو معنى"أرجو من اللَّه شفاعتهم".
وتبنى هذه الشبهة كثير من خصوم الشيخ في التفريق بين ألفاظ دعاء الكفار لأصنامهم، وألفاظ دعاء المشركين المعاصرين للشيخ للأولياء.
الجواب على هذه الشبهة:
أجاب المصنف رحمه اللَّه برد واحد، قال:
(فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء) بمعنى أن صنيعكم مثل صنيع الكفار، فهم يأتون إلى آلهتهم، ويذبحون عندها، وينذرون لها، ويطلبون منها الشفاعة والواسطة فيقولون: يا أصنامنا، أو يا العزى اشفع لنا عند اللَّه، كما قال تعالى: {ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى اللَّه زلفى} [4] .
والخلاصة: أن الصيغتين شرك أكبر سواء قال بصيغة: يا عبد القادر اكشف كربتي، أو بصيغة: يا عبد القادر ادعُ اللَّه لي أن يكشف كربتي، أو اشفع لي عند اللَّه أن يكشف كربتي.
فكلا الصيغتين شرك أكبر إلاّ أن الصيغة الأولى أعظم شركا ً لأن فيها بالإضافة إلى الشرك في الألوهية الشرك في الربوبية، لأنه يعتقد أنه يرفع ويدفع وأنه رب مع اللَّه.
أمَّا الثانية ففيها شرك في الألوهية فقط، ومعلوم أن الشرك متفاوت بعضه أغلظ من بعض.
بعض ألفاظ المصنف في هذه الشبهة:
(1) الزمر: 3.
(2) يونس: 18.
(3) الشبهة الأولى: قولهم: نحن لا نشرك باللَّه شيئًا، والثانية: قولهم: الآيات التي نزلت فيمن يعبد الأصنام، والثالثة: قولهم: الكفار يريدون منهم .... إلخ.
(4) الزمر: 3.