قال المصنف:(وإن قال: {ألا إن أولياء اللَّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [1] ، فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يعبدون. ونحن لم نذكر إلاّ عبادتهم مع اللَّه، وشركهم معه، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم. ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال.
ودين اللَّه وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين، فإذا عرفت: أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الناس عليه.
فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون، ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع اللَّه إلا في الرخاء، وأمَّا في الشدة فيُخلصون لله الدين. كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا} [2] .
وقوله: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللَّه أوأتتكم الساعة أغير اللَّه تدعون إن كنتم صادقين • بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} [3] ، وقوله: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبًا إليه} إلى قوله: {قل تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار} [4] . وقوله: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا اللَّه مخلصين له الدين} [5] .
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها اللَّه في كتابه، وهي: أن المشركين الذين قاتلهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعون اللَّه ويدعون غيره في الرخاء، وأمَّا في الضر والشدة فلا يدعون إلا اللَّه وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبيّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ واللَّه المستعان.
والأمر الثاني:
أن الأولين يدعون مع اللَّه أُناسًا مقربين عند اللَّه، إمَّا أنبياء، وإمَّا أولياء، وإمَّا ملائكة، أو يدعون أشجارًا، أو أحجارًا مطيعةً لله ليست عاصية.
وأهل زماننا يدعون مع اللَّه أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة، وترك الصلاة وغير ذلك.
والذي يعتقد في الصالح والذي لا يعصي - مثل الخشب والحجر - أهون ممن يعتقد فيمن يُشاهد فسقه وفساده ويشهد به) .
مضمون هذه الشبهة:
أنهم يستدلون بهذه الآية وبما جاء في كرامات الأولياء على أنه يجوز دعائهم والاستغاثة بهم.
خطوات الرد على هذه الشبهة:
أن يقال: نحن نقر بكرامات الأولياء والصالحين، وأن لهم مقامًا عند اللَّه، ولكن لا يعني هذا عبادتهم، فالكرامات شيء وجعلهم آلهة شيء آخر.
قول المصنف: (فإذا عرفت: أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا"الاعتقاد"هو الشرك الذي أُنزل فيه القرآن ... إلخ) .
هذا المقطع هو مقطع استطرادي، ذكره المصنف من باب الاستطراد، وهي عملية مقارنة بين المشركين في زمن المصنف والمشركين الأولين، وهو مقطع ذم وتوبيخ وبيان غلظة شرك أهل زمان المصنف.
وهذا المقطع هو القاعدة الرابعة من كتاب القواعد الأربع للمصنف
وذكر المصنف أن شرك الأولين أخف من شرك زمانه، ولا شك أن المشركين بعضهم أغلظ من بعض، وأن الشرك بعضه أغلظ من بعض، واستدل المصنف على غلظة شرك أهل زمانه بدليلين:
الدليل الأول: أن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، فيشركون في زمن ويخلصون في زمن.
وهذا أخف ممن يشرك في جميع الأزمنة، واستدل على ذلك بأربع آيات:
الأولى: قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} .
الثانية: قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللَّه أو أتتكم الساعة} .
(1) يونس: 62.
(2) الإسراء: 67.
(3) الأنعام: 40 - 41.
(4) الزمر: 8.
(5) لقمان: 32.