وكان من قدري أن أعيش في سجن استقبال طرة، لأرى ضحايا التعذيب وأدلي بشهادتي عسى أن تكون بلاغًا للجهات المعنية في مواجهة الصمت الذي يريدون أن يفرضوه علينا، وعسى أن يجد هؤلاء الضحايا صاحب دعوة تخفف عنهم وتفرج كربهم.
كنت أسمع على فترات متفاوتة من الليل والنهار طرقات على الجدران، شخص ما يضرب الجدران بيديه .. ظللت أيامًا لا أعرف صاحب هذه الطرقات ..
وفي أحد الأيام كنت أجلس مع أحد المعتقلين أتبادل معه الحديث، وبينما تركته لحظات فإذا به بشكل لا شعوري يضرب بقبضة يده جدران الزنزانة، فتأكدت أنه صاحب الطرقات التي كنت أسمعها .. شعرت أن بداخله شيئًا ما .. فتصرفاته تدل على أنه يعيش في حالة قلق دائم ..
قابلته عدة مرات ولم أطلب منه أن يحكي شيئًا .. أردت أن أشعره بالاطمئنان .. وبالفعل بدأ يفتح لي قلبه، وبدأ يروي لي حقيقة الصراع النفسي الذي يعيش فيه.
أسمه"حسين القلعاوي"من القاهرة خريج المعهد الفني بالمطرية .. قبض عليه في أواخر عام 88 في أحداث عين شمس التي قتل فيها وأصيب العشرات برصاص الشرطة أثناء اقتحام مسجد آدم [1] . أصيب ضابط شرطة بطعنة في رقبته، لفظ أنفاسه الأخيرة على
(1) اعتادت الجماعة الإسلامية في منطقة عين شمس عمل لقاءات داخل مساجدها وكان لقاء الجمعة بعد المغرب من كل أسبوع لفاءً معروفًا ويتوافد إليه أبناء الجماعة من كل أنحاء القاهرة وأهالي منطقة عين شمس .. وفي غرة المحرم عام 1409هـ الموافق 12/ 8/1988م كان لقاء الجمعة .. وعندما بدأ اللقاء سمع الأخوة داخل المسجد عدة قنابل مسيلة للدموع أطلقت داخل المسجد .. بينما حاصرت قوات الأمن المركزي المسجد ومن به لعدة ساعات، تفاعل أهل المنطقة مع الشباب المسلم وبدءوا يقذفون الأمن بالحجارة. مما أضطر قائد حملة اقتحام مسجد آدم أن يطلب قوة إضافية، طفق الأمن بعد ذلك في ضرب الناس بالذخيرة الحية بالإضافة إلى القنابل المسيلة للدموع، فسقط عدد من القتلى وتم إلقاء القبض على الكثير من الأهالي، وساقوهم حيث معتقلات النظام. بينما استمرت محاصرة المسجد حتى اقتحمه الجنود بعد أن أمطروه بوابل من القنابل الخانقة الحارقة.
وتم القبض على الأخوة داخل المسجد وسيقوا إلى السجن ثم إلى النيابة بتهمة عجيبة؛ أنهم يوزعون منشورات داخل المسجد تحض على قلب نظام الحكم و .. . إلخ من هذه التهم البلهاء.
بعد هذه الحادثة استطاع الأخوة السيطرة التامة على مسجد آدم وإلقاء خطبة الجمعة فيه، وتحول المسجد إلى ملتقى للمسلمين حتى أنه كان يصلي الجمعة خلال الشهور التالية حتى الاقتحام الثاني ما يقارب العشرة آلاف مسلم.
أغتاظ النظام من ذلك وبدأ يخطط لضرب هذا التجمع الإسلامي الكبير، وتم ذلك بالفعل في ديسمبر عام 1988م حيث تم القبض على العديد من أبناء الجماعة وهرب الكثير منهم. بل وعطلت الجمعة في مسجد آدم جمعة أو جمعتين، حيث استمرت القلاقل داخل عين شمس - شرق القاهرة - أسابيع متتالية وتحولت المنطقة إلى ثكنة عسكرية ترابط فيه قوات الأمن حتى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.