الصفحة 41 من 42

الإذاعة على درجة من الانضباط فالفقرات متناسقة ومنظمة .. ومن ينشدون الأناشيد الإسلامية أصواتهم غاية في الروعة وهذه الأناشيد تلعب دورا خطيرًا في رفع معنويات المعتقلين فالقصائد والأبيات التي ينشدونها كتبها مجاهدون عمالقة بدمائهم وأرواحهم أمثال"سيد قطب"و"يوسف العظم"وغيرهما ..

ومن خلال الإذاعة استمعت إلى بعض الخطباء ما استمعت لمثلهم من قبل , قمة في البلاغة والشفافية والصدق، كنت أحيانًا لا أتمالك نفسي من شدة التأثر، وكانت الدموع تنساب من عيني .. شباب رزقهم الله ألسنة مخلصة .. كلامهم يدخل القلوب كلماتهم تنساب كالماء الجاري بدون تكلف .. أجرى الله على ألسنتهم الحكمة، أعتقد لو أن هؤلاء الخطباء أتيحت لهم الفرصة لغيروا طباعًا وأخلاقًا ومعاملات لا أبالغ في هذا ولكنها الحقيقة.

ومن المحزن أن يكون أمثال هؤلاء الشباب داخل السجن، بينما تجار المخدرات يعيشون وسط الناس، بل ويشرعون لنا في مجلس الشعب ومما يزيد الأمر حزنًا أن وزير الأوقاف يقود حملة شعواء لتشويه صورة هؤلاء الشباب فيما يسمى بقوافل الدعوة والندوات التي لا يحضرها إلا المخبرين.

واعتقال الخطباء أصبح ظاهرة لافتة للانتباه في بلد الأزهر، فلم يعد يكفي تأميم المساجد وضمها للأوقاف خاصة بعد أن بدأ الشباب يخرج إلى الميادين وساحات الجامعات، فكان الحل الوحيد هو إعتقال الخطباء من الشباب الإسلامي مما يدل على أن الكلمة، والكلمة فقط ترهبهم وتزلزل أركانهم وويل لشعب يحكمه نظام لا يستطيع مواجهة الكلمة.

ويعتبر د."محمود شعيب"من أبرز هؤلاء الخطباء الذين اعتقلوا لأنهم يجاهدون بالكلمة، يتميز بطلاقة لسان غير عادية يسحر من يستمع إليه .. يحفظ القرآن الكريم ولديه من العلم حظ وافر حصل على بكالوريوس الطب هذا العام من داخل السجن , نزيل دائم في السجن بسبب خطبه التي تلهب حماس الشباب، معتقل منذ يناير 90 ورغم حصوله على أكثر من 15 حكما بالإفراج وإخلاء السبيل، إلا أن الحكومة ترفض أن يرى الشارع.

والمعتقلون بذلوا جهدهم لتحويل السجن إلى مجتمع إيماني، فوزعوا المسؤوليات، كل في المكان المناسب حتى الآذان اختاروا له أجمل الأصوات. كان ينتابني شعور بالغربة عندما أسمع آذان المغرب والعشاء بالتحديد، فصوت المؤذن كان حزينًا ومؤثرًا .. عندما يردد"الله أكبر .. الله أكبر"تهتز له أوتار القلوب .. كان ينقلني من دنيانا إلى الوراء، أتخطى قرون الذل والانكسار إلى أيام الإسلام الأولى عندما كان بلال يؤذن بصوته العذب إيذانًا بسقوط

فارس والروم وأذيالهما وقيام دولة الإسلام، كان صاحب الآذان شابا يدعى"أحمد مراد" [1] من الأقصر، مسئوليته آذان المغرب والعشاء فقط، أما باقي الأوقات فموزعة على آخرين، و"أحمد مراد"معتقل منذ 8 شهور بلا محاكمة، وهو من عشرات الأحياء

(1) من أبناء الجماعة الإسلامية بالأقصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت