أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- [الهجري] لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر الهجري؟ إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمن سريعًا، فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمين الآن أسوأ حالًا، واشد ظلمًا وظلامًا منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك (الياسق) الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا (الياسق العصري) ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم (رجعيًا) و (جامدًا) إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى (ياسقهم) الجديد بالهُوينا واللين تارة، وبالمكر والخديعة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويصرحون ولا يستحيون بأنهم يعملون على فصل الدولة من الدين! أفيجوز إذن -مع هذا- لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلّم هذا، واعتناقه واعتقاده والعمل به، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟! أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا (الياسق العصري) وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟! ما أظن أن رجلًا مسلما يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم كتاباَ محكمًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول؛ بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنا من كان- في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرىء حسيب نفسه" (عمدة التفسير: 4/ 171 - 172، وانظر قريبًا منه في كلمة الحق لأحمد شاكر ص19) ."
* وقال -معلقًا على الأثر المروي عن ابن عباس وغيره: (كفر دون كفر) :