فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 66

".. وهذه الآثار -عن ابن عباس وغيره- مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرّاء على الدين؛ يجعلونها عذرًا أو إباحية للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه، فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة؛ عمدًا إلى الهوى، أو جهلا بالحكم، والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء، ليكون ذلك عذرًا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف، وهذان الأثران رواهما الطبري (12025، 12026) ؛ كتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقًا نفيسًا جدًا، قويًا صريحًا، فرأيت أن أُثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين. فروى الطبري (12025) عن عمران بن حدير قال:"أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) أحق هو؟ قال: نعم، قال: فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبًا، فقالوا: لا والله، ولكنك تُفرّق! قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم ترون هذا ولا تحرجون! ولكنها أُنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحوًا من هذا"."

ثم روى الطبري (12026) نحو معناه، وإسناده صحيحان. فكتب أخي السيد محمود محمد شاكر بمناسبة هذين الأثرين ما نصه:"اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين؛ اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها، والعامل عليها."

والناظر في هذين الخبرين؛ لا محيض له عن معرفة السائل والمسؤول، فأبو مجلز (لاحق بن حمد الشيباني السدوسي) تابعي ثقة، وكان يحب عليًا -رضي الله عنه- وكان قوم أبي مجلز -وهم بنو شيبان- من شيعة علي يوم الجمل وصفّين، فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت