الخوارج، كان فيمن خرج على علي -رضي الله عنه- طائفة من بني شيبان، ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل، وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز، ناس من بني عمرو بن سدوس (كما في الأثر: 12025) ، وهم نفر من الأباضية (كما في الأثر: 12026) ، والأباضية من جماعة الخوارج الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن أباض التميمي، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التحكيم، وفي تكفير علي -رضي الله عنه- إذ حكّم الحكَمين، وأن عليًا لم يحكم بما أنزل الله في أمر التحكيم، ثم إن عبد الله بن أباض قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك، فخالف أصحابه، وأقام الخوارج على أن أحكام المشركين تجري على من خالفهم. ثم افترقت الأباضية بعد عبد الله بن أباض الإمام افتراقًا لا ندري معه -في أمر الخبرين- من أي الفرق كان هؤلاء السائلون، بيد أن الأباضية كلها تقول: إن دور مخالفيهم دور توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دور كفر عندهم، ثم قالوا أيضًا: إن جميع ما افترض الله سبحانه وتعالى على خلقه إيمان، وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة، لا كفر شرك، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون أبدًا. ومن البيّن أن الذين سألوا أبا مجلز من الأباضية، إنما كانوا يريدون أن يُلزموه في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه. ولذلك قال لهم في الخبر الأول:"فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا"، وقال لهم في الخبر الثاني:"إنهم يعملون بما يعملون ويعلمون أنه ذنب".
وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى: وهذا كفر، لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم؛ في تكفير القائل به والداعي إليه.
والذي نحن فيه اليوم؛ هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع، على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها، فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنفر من الأباضية من بني عمرو بن سدوس!!.