فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 66

هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافروا العداوة، هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينا للمسلمين بدلا من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقدسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيرًا كلمات"تقديس القانون"،"قدسية القضاء"، و"حرمة المحكمة"وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل هم حينئذ يصفونها بكلمات"الرجعية"،"الجمود"،"الكهنوت"،"شريعة الغاب".. إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين!.

ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراستها كلمة"الفقه"، و"الفقيه"، و"التشريع"، و"المشرّع".. وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها، وينحدرون فيتجرؤون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته، وبين دينهم المفترى الجديد!!

ثم نفوا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامها القطعية الثبوت والدلالة بأنها لا تناسب هذا العصر، وأنها شُرعت لقوم بدائيين غير متمدنين. فلا تصلح لهذا العصر الإفرنجي الوثني!! خصوصًا في الحدود المنصوصة في الكتاب والعقوبات الثابتة في السنة، فترى الرجل المنتسب للإسلام، المتمسك به في ظاهر أمره، المشرب قلبه هذه القوانين الوثنية، يتعصب لها ما لا يتعصب لدينه، بل يجتهد ليتبرأ من العصبية للإسلام؛ خشية أن يُرمى بالجمود والرجعية! ثم هو يصلي كما يصلي المسلمون، ويصوم كما يصوم المسلمون، وقد يحج كما يحج المسلمون. فإذا ما انتصب لإقامة القانون؛ لبسه شيطان الدين الجديد، فقام له قومة الأسد يحمي عرينه، ونفى عن عقله كل ما عرف من دينه الأصلي! ورأى أن هذه القوانين ألصق بقلبه، وأقرب إلى نفسه!. هذا في المستمسك منهم بدين الإسلام، وهم الأقل. دع عنك أكثرهم.

وقد ربى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات، أرضعوهم لبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة، واسعة المعرفة، في هذا اللون من الدين الجديد، الذي نسخوا به شريعتهم، ونبغت فيهم نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوروبا، فصار للمسلمين من أئمة الكفر ما لم يُبْتل به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور. وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت