فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 66

هذا القرآن العظيم ينصرفون عنه، وترى الواحد الذي هو مسؤول عنهم يُعلن في غير حياء من الله ولا حياء من الناس بوجه لا ماء فيه، وبكل وقاحة؛ أنه يحكّم في نفسه وفي الناس الذين هم رعيته الذين هو مسؤول عنهم، يحكّم في أديانهم، وفي أنفسهم، وفي عقولهم، وفي أنسابهم، وفي أموالهم، وفي أعراضهم، قانونًا أرضيا وضعه خنازير كفرة جهلة أنتن من الكلاب والخنازير، وأجهل خلق الله، معرضًا عن نور السماء الذي وضعه الله جل وعلا على لسان خلقه، فهذا من طمس البصائر، لا يصدّق به إلا من رآه -والعياذ بالله-. اللهم لا تطمس بصائرنا، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا" (العذاب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير، ص2270 و2271 من تفسير سورة التوبة) ."

* وقال رحمه الله:

"فهذه الآيات الكريمة تدل على أن كل من يتبع نظاما غير نظام الله -وإن سماه قانونا أو دستورا أو سماه ما سماه- فهو كافر بالله، ولو كان كافرًا قبل ذلك وارتكب شيئًا يعلم أن الله حرمه فحلل ما يعلم أن الله حرمه، أو حرم ما يعلم أن الله حلله، فإنه ولو كان كافرًا قبل هذا يزداد بذلك كفرًا جديدًا إلى كفره الأول، كما قال هنا: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) ، وهذا معروف لا نزاع فيه بين العلماء، فالحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، ولا تشريع إلا لله؛ لأن التشريع والأمر والنهي لا يكون إلا للسلطة التي ليس فوقها شيء، والله جل وعلا هو خالق هذا الخلق، وخالق النعم التي أنعم بها عليه، فهو الملك؛ فلا يرضى أن يأمر فيه غيره وينهى، بل الأمر له وحده، والنهي له وحده، والتشريع له وحده، فكل مشروع دونه ضال، وكل متبع تشريعا غير تشريعه فهو كافر به جل وعلا."

وقد بين الله جل وعلا في آيات كثيرة هذا المعنى، فكان قوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يتحاكموا إلى غير شرع الله، وادّعوا أنهم مؤمنون، فعجّب الله نبيه من كذب دعواهم، وأن دعواهم الإيمان لا تصح بوجه من الوجوه مع إرادتهم التحاكم إلى غير الله، وذلك في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) ، فعجّبه من دعواهم الإيمان وهم يريدون التحاكم إلى غير ما شرعه الله، وهذا لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت