فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 66

جميع المنازعات والخصومات وشؤون الحياة؛ لأن هذا هو مقتضى العبودية والتوحيد؛ لأن التشريع حق لله وحده، كما قال تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) ، أي: هو الحكَم وله الحُكم، وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، وقال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) .

فالتحاكم إلى شرع الله ليس لطلب العدل فقط، وإنما هو في الدرجة الأولى تعبّد لله، وحق لله وحده، وعقيدة، فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية، فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه، قال الله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) ، وقال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) .

وقد نفى الله الإيمان عمن تحاكم إلى غير شرعه، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) إلى قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .

فمن دعا إلى تحكيم القوانين البشرية، فقد جعل لله شريكًا في الطاعة والتشريع، ومن حكم بغير ما أنزل الله؛ يرى أنه أحسن أو مساو لما أنزل الله وشرعه، أو أنه يجوز الحكم بهذا؛ فهو كافر بالله، وإن زعم أنه مؤمن؛ لأن الله أنكر على من يريد التحاكم إلى غير شرعه، وكذّبهم في زعمهم الإيمان؛ لأن قوله: (يَزْعُمُونَ) متضمن لنفي الإيمان؛ لأن هذه الكلمة تقال غالبًا لمن يدّعي دعوى هو فيها كاذب، ولأن تحكيم القوانين تحكيم للطاغوت، والله قد أمر بالكفر بالطاغوت، وجعل الكفر بالطاغوت ركن التوحيد؛ كما قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) ؛ فمن حكم القوانين لم يكن موحدًا، لأنه اتخذ لله شريكًا في التشريع والطاعة، ولم يكفر بالطاغوت الذي أمر أن يكفر به، وأطاع الشيطان، كما قال تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) ...

ومثل القانون الذي ذكره"أي ابن كثير"عن التتار، وحكم بكفر من جعله بديلا عن الشريعة الإسلامية: القوانين الوضعية التي جُعلت اليوم في كثير من الدول هي مصادر الأحكام، وأُلغيت من أجلها الشريعة الإسلامية، إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية. والدليل على كفر من فعل ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت