وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة.
فقد تقدم أن تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- لقول الله عز وجل: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله -رضي الله عنه- في الآية:"كفر دون كفر"، وقوله أيضًا:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه".
وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا، أعظم من معصية لم يسمها كفرًا.
نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقيادًا ورضاءًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه". (رسالة تحكيم القوانين، للشيخ محمد بن إبراهيم) ."
* وقال في التفريق بين القضايا المعينة والتشريع العام:
"وأما الذي قيل فيه (كفر دون كفر) إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق؛ فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر؛ وإن قالوا: أخطأنا وحكم الشرع أعدل، ففرق بين المقرر والمثبت والمرجع، جعلوه هو المرجع؛ قهذا كفر ناقل عن الملة" (الفتاوى: 12/ 280) .
* وقال رحمه الله:
"البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام، تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير، ولا غيرت؛ فتجب الهجرة، فالكفر بفشوّ الكفر وظهوره، هذه بلد كفر. أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد أو وجود كفريات قليلة لا تظهر؛ فهي بلد إسلام"، ثم قال:"لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل. فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل. وإذا قدر على الهجرة من بلاد تقام فيها القوانين؛ وجب ذلك" (الفتاوى: 6/ 188 - 189) .