بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على خاتم المرسلين وعلى آله الغر الميامين وتابعيهم على السنة والدين
وبعد:
اعلم رحمك الله أن الله عز وجل قد رد جميع الشبه، وسد جميع الذرائع، كي لا يحتج محتج عن الله عز وجل، كقوله تعالى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشون) وقال تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) قال ابن كثير: أي أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة وبيَّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى للمعتذر عذر، انتهى.
وقال تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) ، وقد ثبت في الصحيحين من رواية ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبئيين مبشرين ومنذرين"فلهذا أرسل الله الرسل، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعله سراجا منيرا، وهاديا وبشيرا، وقطع به سبيل الاعتذار عن عدم الامتثال لأوامر قيوم السموات والأرض. فلهذا جاءت الحجج التي أقامها الله على الخلق أربع حجج: الميثاق، والفطرة، والرسالة، والآيات الكونية. وإليك البيان والتوضيح:
لا يستقيم إيمان العبد إلا بها، قال تعالى: (وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم) ، قال ابن عثيمين: فهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على شهادته بوجود الله وربوبيته وسواء أقلنا أن الله استخرجهم من ظهر آدم واستشهد، أو قلنا إن هذا هو ما ركب الله تعالى في فطرتهم من الإقرار به، فإن الآية تدل على أن الإنسان يعرف ربه بفطرته.
ويقول الحافظ ابن كثير: يخبر الله تعالى بأنه استخرج ذرية آدم وبنيه من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم، انتهى.
وقلت: وهذا يدلك على إقامة الحجة عليهم، وأخذ الميثاق عليهم، ومن ذاك ما روى ابن حاتم وابن جرير من حديث داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم جاء ملك بكفه فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة. فإن قيل غير مخلقة لم تكن نسمة قذفتها الأرحام دما. وإن قيل مخلقة قال أي ذكر أو أنثى شقي أو سعيد ما الأجل والعمر وما الأثر وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة من ربك؟ فتقول الله، فيقول من رازقك، فتقول الله فيقال له اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة النطفة قال فتعيش أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في الأرض التي كتب الله لها، ثم تلا عامر الشعبي) يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء) فإذا بلغت مضغة في الخلق الرابع فكانت نسمة.