الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير رسول، صاحب الوعد المأمول، والمبلغ عن المسؤول، محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
أما بعد:
فلقد سألتني أن أكتب لك بعض أحكام الديار، فشكر الله لك الإصرار، على تعلم الأخبار، واعلم أن الموضوع شائك، قد زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، ونسأل الله الهدى والرشاد، بما أنعم على العباد، إنه كريم جواد، وسألخِص لك الحكم، حتى يفهمه البُكم، الذين لعب بهم الشيطان، ورقعوا سبل الطغيان، لأهل الغواية والحرمان، الذين ذبوا على الكفار، القتلة الفجار، الذين خربوا الديار، وحكموا بقانون التتار، فجعلوهم مسلمين، وفي ديارهم آمنين، وللموحدين قاهرين، وفي سجونهم لهم أنين ولأبنائهم خنين، ولزوجاتهم وأبائهم حنين، فنسأل الله أن يمكننا من رقابهم، وأن يهيأ لنا جلادهم، حتى نعيد عليهم الكرة، ونقهرهم بالمرة، إنهم كفار زنادقة، ومغتصبون ملاحدة، إنه هو القادر على ذلك.
واعلم وفقني الله وإياك لطاعته، أن الحنفية ملة إبراهيم عليه السلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتعبده بما شرع وكيف شرع على ألسنة رسله الكرام، أن الدار داران: دار كفر، ودار إسلام.
فدار الإسلام: هي التي تحكم بشريعة رب العالمين، وبمنهج المرسلين، وبسيَّر الصالحين، وإن كان أهلها كفار، فالدار تعرف بطبيعة الأحكام التي تجري فيها، ولا تعرف بطبيعة سكانها، فمن جعل ضابط القوم حُكما فقد وقع بين الغلو والجفاء، بين المرجئة والجهمية، وبين المعتزلة والخوارج.
وإليك البيان والتوضيح: اعلم أن أصل الخلاف بين هذه الفرق في أصل الإيمان، فالمرجئة والجهمية، ليس عندهم الإيمان إلا شيأ واحدا لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب، كقول الجهمية أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، وقالوا لأننا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه، فإذا ذهب بعضه ذهب سائره فيجب إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، فاحتاطوا فسقطوا في المحضور، وعليه فعندهم كل من تلفظ بالشهادتين فهو مسلم كامل الإيمان، فليزم أن الحاكم إذا بدل شرع الله وغيَّر، فإنه مسلم، وبالتالي فإن الدار دار إسلام عندهم مادام الضابط -لا إله إلا الله-، أو الحكم ببعض الشرع وترك البعض، أو أزاح الحق وأظهر الباطل، فما دام عندهم فيه الأصل الإسلام فالدار دار إسلام، تجري عليها أحكام المسلمين، كما فعل جانكزخان عندما قدم بلاد المسلمين، وأظهر الإسلام ونصب القضاة وأعلن الجهاد وأظهر الدين، فقام مشايخ الإرجاء وبايعوه ونصروه وأووه،