(على قول) فإن أبويه صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم الله تعالى بالجهل وهم أهل الفترة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه السلام وكان قدرها ستة مائة سنة (كما روى ذلك ابن كثير في تفسيره) وقد اندثرت فيها واندرست ولم يبق إلا بقايا من دين إبراهيم عليه السلام. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله (والمقصود أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل وطموس عن السبل وتغير الأديان وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان فكانت النعمة به أتم والحاجة إليه أمر، فإن الفساد قد عم جميع البلاد والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد(انتهى) .
وكما روى ذلك الإمام أحمد -رحمه الله- عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبتين:"إن ربي أمرني أن أعلمكم مما جهلتهم مما علمني في يومي هذا كل ما نحلته عبادي حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل"الحديث. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: فهؤلاء كانوا يظنون أن ما هم عليه وأن ما أحدثه عمرو بن لحي بدعة حسنة لا تغير دين إبراهيم وكانت تلبية تزار (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) . فأنزل الله: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من شركاء فيما رزقناكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) انظر مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب.
فقد حكم الله عز وجل على هؤلاء بالكفر، مع جهلهم وعدم من يبين لهم، فانظر رحمك الله أليس هؤلاء أولى بالعذر ممن أرسل فيهم الرسول وأنزل فيهم الكتاب، ولكن المرء معرض عن العلم لا يتعلمه ولا يعمل به، وتجده خبيرا في أمور الدنيا كما قال عز وجل في وصف هذا الصنف من الناس: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (قال ابن كثير- رحمه الله- أي (أكثر الناس ليس لهم علم إلا الدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجه مكاسبها وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة كأن أحدهم مغفل لا دهن له ولا فكرة له.
قال الحسن البصري: والله لبلغ من احدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه ما يحسن أن يصلي قال ابن الحسن في هذه الآية: يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم عن أمر الدين جهال. انتهى.
-قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) سورة الفرقان الآية 44. هم أسوء حالا من الأنعام السارحة فإن تلك تفعل ما خلقت له وهؤلاء