الصفحة 15 من 37

وقوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة} رخَّصَ لهم في موالاتهم إِذَا خافوا، ولم يحسِنُوا معاشرتهم إلا بذلك، وكانوا معهم مَقْهُورِين لا يستطيعون إِظهار العداوةِ والبَغْضَاءِ لهم، فحينئذٍ تجوزُ المُعَاشَرَةُ ظاهرًا، والقلبُ مطمئنٌ بالعداوةِ والبغضاءِ، حتى يزولَ المانع كَمَا قَالَ تَعَالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} . قَالَ ابنُ عباسٍ: ليس التَّقِيَّةُ بالعملِ، إنما التَّقِيَّةُ باللسانِ. وَقَالَ أيضًا: نهى اللهُ المؤمنينَ أنْ يُلاطِفُوا الكفار، ويَتَّخِذُوهم وَلِيجَةً مِن دون المؤمنين، إلا أنْ يكونَ الكفارُ عليهم ظَاهرينَ؛ فَيُظْهِرُون لهم اللُّطْفَ، ويخَالِفُونهم في الدين، وذلك قوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة} ذكرهُ ابنُ جَرِيرٍ وابنُ أبي حَاتِمٍ.

وَقَالَ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية. قَالَ القُرْطُبي: أي لا تجعلوا خَاصَّتَكم وبِطَانَتَكم مِنهم.

وَقَالَ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} .

قَالَ حُذَيْفَةُ - رضي الله عنه: لِيَتَّقِ أَحَدُكُم أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَو نَصْرَانِيًّا وَهُوَ لا يَشْعُرُ وَتَلا هَذِهِ الآية: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ في قَولِهِ: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} قَالَ: هُم المنافقون في مُصَانَعَةِ اليهود، ومُلاحَاتهِم واسْتِرْضَاعِهِم أَولادَهم إيَّاهم.

وَقَالَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه - في قَولِهِ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} قَالَ: أهلُ رِقَّةٍ عَلَى أهلِ دِينهم، {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} قَالَ: أهلُ غِلْظَةٍ عَلَى مَن خالفهم في دينهم، ومعناه عَن غيرِ واحدٍ من السَّلَفِ.

وَقَالَ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} الآية.

وَقَالَ تَعَالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} والآية بعدها، وَقَالَ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

فقد أمرَ اللهُ تَعَالى بجهاد الكفار والمنافقين مَعَ دَعْوَاهُم الإسلام وأمرَ بالإغلاظِ عليهم قولًا وفعلًا.

وَقَالَ ابنُ عباسٍ - رضي الله عنه - في الآية: جَاهِدْ الكفارَ بالسيفِ والمنافقينَ باللسانِ. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} قَالَ: أَذْهِبْ الرِّفْقَ عَنهم.

وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - في الآية: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} قَالَ: بيدِهِ، فإنْ لم يَستطع فبِلِسَانهِ، فإنْ لم يَستطع فبِقَلبهِ، ولِيَلْقَهُ بوجه مُكْفَهِرٍ، أي: عَابِسٍ مُتَغير من الغيظِ والبُغضِ. ذكرهما ابن أبي حَاتم وجَاءَ معناهُ في حديث مرفوعٍ رواه البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) .

وَقَالَ تَعَالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) الآية. فنفى سبحانَهُ الإِيمانَ عمَّن هَذَا شأنه، ولو كانت مُوَادَّتُهُ ومَحَبَّتُهُ ومُنَاصَحَتُهُ لأبيِهِ وأخيهِ ونحوهِم، فضلا ً عن غيرهِم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت