الصفحة 16 من 37

وَقَالَ تَعَالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) .

قَالَ ابنُ عباسٍ: (وَلَا تَرْكَنُوا) قَالَ: لا تميلوا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أن تُطيعوهم أو تَوُدُّوهُم أو تَصْطَنِعُوهُم. معنى (أو تَصْطَنِعُوهُم) أي: تُوَلُّونهم الأعمالَ. كمَن يُوَلِّي الفُساقَ والفجارَ.

وَقَالَ الثوريُّ ومن لاق لهم دواة [1] أو برى لهم قلمًا، أو ناولهم قِرْطَاسًا دخل في هَذَا.

قَالَ بعضُ المفسرين في الآية: والنَّهي مُتَنَاوِلٌ للانحطاطِ في هَوَاهُم، والانقطاعِ إليهم ومُصاحبتِهِم، ومجالستِهم وزيارتهم، ومُدَاهَنَتُهُم والرِّضى بأعمالهم، والتَّشَبُّهِ بهم والتَّزَيِّي بِزِيِّهم، ومَدِّ العينِ إلى زَهْرَتِهِم، وذِكْرِهِم بما فِيهِ تعظيمٌ لهم.

وتأملْ قولَهُ: (وَلَا تَرْكَنُوا) والرُّكُونُ: هُوَ الميلُ اليسيرُ.

وَقَالَ تَعَالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) إلى قوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) . وصحَّ أن صَدْرَ هَذِهِ السورةِ، نزلَ في حَاطِبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ، لما كَتبَ إلى المشركين يخبرهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.

وجَاءَ في تفسيرِ قَوْلِهِ تَعَالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) الآية: أنها نَزلت في أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، لما قَتل أباهُ يومَ بدرٍ. كَمَا رواهُ الطَّبَرَانيُّ وابنُ أبي حاتم والحَاكِمُ وغيرُهم.

وعن ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ: (حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا قُحَافَةَ سَبَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَصَكَّهُ أَبُوبَكْرٍ صَكَّةٍ فَسَقَطَ فَذَكَرَ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أفعلت يا أبا بكر؟ فَقَالَ: والله لو كان السيف قريب مني لضربته.

فنزلت: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) الآية. رواهُ ابنُ المُنْذِرِ. وهَذَا واللهُ أعلمُ في أولِ الإسلام؛ فإن أبا قُحافة أَسلم عام الفتح، فلم يكن لِيَسُبَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد الإسلام. وأبو بكر خَرَجَ مهاجرًا من مكةَ، ولم يعد إليها إلا بعد الإسلام أو في عُمرة مَعَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

وَقَالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: مَن أحبَّ في اللهِ وأبغضَ في الله، وعَادَى في الله ووَالى في الله، فإنما تُنالُ ولايةُ اللهِ بذلك. رواه ابنُ أبي شَيْبَةَ وابنُ أبي حاتم.

وفي حَدِيثٍ رواهُ أبو نُعَيْمٍ وغيرُه عن ابنِ مسعودٍ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: (أوحى الله إلى نبي من الأنبياء، قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا، فتعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك إلي فتعززت بي، فمإِذَا عملت فيما لي عليك. قَالَ: يا رب وما لك علي؟ قَالَ: هل واليت لي وليًا، أو عاديت لي عدوًا) .

وَقَالَ تَعَالى: (و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) فعقد تَعَالى الموالاة بين المؤمنين، وقطعهم من ولاية الكافرين. وأخبر أن الكفار بعضهم أولياء بعض، وأنهم إن لم يفعلوا ذلك، وقع من الفتنة والفساد الكبير شيء عظيم. وكذلك يقع!!!.

فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله،

(1) لصِقَ المِدادُ بصوفِها، أي: أصلح مدادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت