الصفحة 14 من 37

للشيخ سُليمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ

مِن كتابِ مجموعِ الرَّسائلِ

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ثقتي وعَلَيْهِ تَوَكُّلِي

مسَأَلَةٌ: في أهلِ بَلَدٍ مُرتَدِّينَ أو بَادِيَةٍ، وهم بَنُو عَمٍّ لرجلٍ _ ويَجِيءُ لهم ذِكرٌ عِندَ الأُمراءِ _ يَتَسَبَّبُ بالدَّفْعِ عَنهُم، حَمِيَّةً دُنْيَوِيَّةً، إِمَّا بِطَرحِ نَكَالٍ أو دَفنِ نَقَائِصِ المُسْلِمِينَ، أو يُشِيرُ بِكَفِّ المُسْلِمِينَ عَنهُم. هَلْ يكونُ هَذَا مُوَالاةُ نِفَاقٍ، أو يَصِيرُ كُفْرًا؟

وإنْ كَانَ مَا يَقْدِرُ مِن نَفسِهِ أنْ يَتَلَفَّظَ بِتَكْفِيرِهِم وَسَبِّهِم مَا حُكْمُهُ؟ وكذلكَ إِذَا عَرِفْتَ هَذَا مِن إنسانٍ مَا يجبُ عليكَ؟ أَفْتِنَا مَأجُورًا، وَبَيِّنْ لَنَا وَجْهَ الدليلِ عَلَى النفاقِ أو الكفرِ؟ جَزاكَ اللهُ خيرًا.

الجَوَابُ: الحَمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

يجبُ أن تعلمَ أولًا أيدكَ اللهُ تَعَالى بتوفيقه: أنَّ أَوثَقَ عُرَى الإيمانِ، الحبُّ في الله والبغضُ في اللهِ وأن اللهَ افترضَ عَلَى المؤمنينَ عداوةَ الكفار والمنافقين، وجُفَاةِ الأعرابِ الذين يُعرفون بالنفاق، ولا يؤمنون بالله ورَسُوله - صلى الله عليه وسلم -، وأمرَ بجهادِهم، والإِغْلاظِ عليهم بالقول والعمل.

وتَوَعَّدهم باللعنِ والقتل في قوله: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} ، وقطعِ المُوَالاة بينَ المؤمنين وبينهم، وأخبرَ أنَّ مَن تولاهم فهُوَ مِنهم. وكيفَ يَدَّعِي رجلٌ محبةَ اللهِ، وَهُوَ يحبُّ أعداءِهِ الذين ظَاهَرُوا الشيطانَ عَلَى ربهم، واتخذوه وَلِيًّا مِن دون الله كَمَا قيل:

تحِبُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمَ أَنَّني صَدِيقُكَ إَنَّ الوِدَّ عَنْكَ لَعَازِبُ

و بالجملة: فالحبُّ في الله والبغضُ في الله، أصلٌ عظيمٌ مِن أصول الدين، يجبُ عَلَى العبد مُراعاته؛ ولهَذَا جَاءَ في الحديثِ: (أَوْثق عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِى اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِى اللَّهِ) ، وكذلك أكثر الله من ذكره في القرآن، قَالَ اللهُ تَعَالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} الآية.

قَالَ بعض المفسرين: نُهُو أن يوالوا الكافرين؛ لقَرَابَةٍ بينهم، أو صَدَاقَةٍ قبل الإسلام، أو غير ذلك مِن الأسباب التي يَتَصَادَقُ بها ويَتَعَاشَرُ.

وقوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني أن لكم في مُوالاة المؤمنين مَنْدُوحَةً عن مُوالاة الكافرين، فلا تُؤْثِرُوهم عليهم {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي ومَن يَتَوَلَّ الكفرة، فليس من وَلايَةِ الله في شَيءٍ يَقَع عَلَيْهِ اسم الولاية. يعني أنه مُنْسَلِخٌ من ولاية الله رأسًا. وهَذَا أمرٌ معقولٌ: فإن مُوَالاة الوَلي ومُوَالاة عَدُوِهِ مُتَنَافِيَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت