الصفحة 21 من 37

ابنِ المنذر وابنِ مَرْدَوَيْه: (إنْ كاد ليمَسُّنا في خلافِ ابن الخطابِ عذابٌ عظيمٌ. ولو نزل العذابُ ما أفلتَ إلا عمر) .

فإِذَا كان هَذَا في رأي الصديقِ - رضي الله عنه - الَّذِي اجتهدَ فِيهِ، ونصح للهِ - سبحانه وتعالى - ورَسُولهِ - صلى الله عليه وسلم -. فما ظنُّك بمن يفعل ذلك معهم حميَّةً دنيويةً لا لِغرض دينٍ، ولا يَقصِدُ وجهَ الله - سبحانه وتعالى - بذلك. بل لا يقصد إلا الدنيا!!.

فإن قيلَ: فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يذمَّ أبا بكرٍ عَلَى لِينه. بل شبهه بإبراهيمَ وعيسى وميكائيلَ عليهم السلام.

وشبَّه عمرَ بجبرائيلَ ونوحٍ وموسى عليهم السلام.

قيل: المرادُ التَّشبيه في الموافَقة في أصلِ اللين والرحمةِ، لا في خُصوص هَذِهِ المسَأَلَة.

فإنَّ الصَّوابَ: مَعَ عمر قطعًا؛ بكتابِ الله - سبحانه وتعالى -. ومَعَ ذلكَ توعَّدَ اللهُ - سبحانه وتعالى - في أخذِ الفداءِ بالعذابِ؛ لولا ما سبق من كتاب الله، أنه رأي للصديق - رضي الله عنه -، اجتهد فِيهِ. فكيف بمن ينصح لهم ويرفق بهم، ويرى الكف عن قتالهم، ويشير بإسقاط النكال عنهم، من غير مسوغ شرعي، بل لمجرد المحبة الدنيوية؟؟!

وأما من يشير بكف المُسْلِمِينَ عنهم: فإن كان مراده بذلك تأليفهم عَلَى الدخول في الإسلام ودخلوا فِيهِ، أو وعدوا بالدخول فِيهِ عن قرب، وكان المصلحة في تركهم قليلًا ونحوه، جاز ذلك.

وإن كان المراد بِهِ أن لا يتعرض المسلمون لهم بشيء لا بقتال ولا إنكار وإغلاظ ونحو ذلك. فهُوَ من أعظم أعوانهم، وقد حصلت له موالاتهم مَعَ بعد الديار وتباين الأقطار، كَمَا قيل:

سهم أصاب وراميه بذي سلم من بالعراق لقد أبعدت مرماك

وأما من يشير بترك نقائص المُسْلِمِينَ لهم، إِذَا كانوا مرتدين فهَذَا عند الفقهاء مخطيءٌ آثم؛ لأنه يجب عَلَى المرتد ضمان ما أتلفه للمسلمين في حال ردَّتِه، خصوصًا من تتكرُّر منه الردة مرات؛ فإنه لا يقصد بذلك في الزمان إلا الإغارةِ والنهبِ لا غيرَ، فتركُ ذلك له من أعظم المعاونة عَلَى الإثم والعدوان؛ ولهَذَا لما صار هَذَا سائغًا عند بعض الناس، انفتحت للبدوان أبوابُ الردة، وأتَوْها مُهْطِعين من كلِّ وجه. ولو كان هَذَا مصلحة في بعض الأوقات، رآها بعض الأمراءِ. فلا يجب طرد ذلك لكل أحد في كل زمان، فاعلم ذلك.

و أما قول السائل: هل يكون هَذَا موالاةُ نفاقٍ، أم يكون كفرًا؟.

فالجواب: أن الموالاة إن كانت مَعَ مساكنتهم في ديارهم، والخروج معهم في قتالهم، ونحو ذلك. فإنه يحكم عَلَى صاحبها بالكفر، كَمَا قَالَ تَعَالى: (ومَن يَتَوَلهم مِنْكُم فإنَّه مِنهم) ، وَقَالَ تَعَالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إِذَا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إِذَا مثلهم) .

وَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم: (من جامَعَ المشرك وسكن معه فإنه مثله) ، وَقَالَ: (أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين) رواهما أبو داود.

وإن كانت الموالاة لهم وَهُوَ في ديار الإسلام، إِذَا قدموا عليهم ونحو ذلك. فهَذَا عاص آثم، متعرض للوعيد ـ إن سلم من موالاتهم لأجل دينهم بل بلفظ وإكرام ونحوه ـ ويجب عَلَيْهِ من التعزير والهجر والأدب، ما يزجر أمثاله. وإن كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت