و ليس بأعظم من قصة حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -. فهَذَا جَسٌّ من حاطبٍ. وقد تنازع العلماء في قتل الجاسوسِ المسلمِ، ولم يكن ذلك دليل عَلَى جواز مكاتبة المشركين بأسرار المُسْلِمِينَ.
كذلك حديث مالك: لا يدل عَلَى أن مجالسة المنافقين، ونصيحتهم أمر جائز.
لكن يقَالَ والله أعلم: هَذَا ذنب، كُفِّرَ بشهوده بَدْرًا؛ كَمَا كُفِّرَ ذنبُ حاطب بذلك.
و الجواب: عن أمر عبد الله بن عبد الله بن أبي: أن عبد الله بن عبد الله له الأيام البيض، والعداوة الظاهرة لأبيه عبد الله بن أبي، مالا يخفى عَلَى أحد من أهل العلم؛ حتى أنه استأذن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتله، فلم يأذن له رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فكيف يحتج أحد بما لا دليل فِيهِ لقوله، بل هُوَ عَلَى نقيض مقصوده أولى والله أعلم.
خاتمة: في فضل الحب في الله تَعَالى
قَالَ اللهُ تَعَالى: (الأخلاء يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌ إلا المتقين) . وَقَالَ تَعَالى: (ويومَ يعضُّ الظالمُ عَلَى يديه يقولُ يليتنى اتخذت مَعَ الرَسُول سبيلا * ياويلتى ليتنى لم اتخذ فلانا خليلًا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا) فهَذَا شأن كل محبة في الدنيا، عَلَى غير طاعة الله.
و عن أنس - رضي الله عنه - عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (ثلاث من كن فِيهِ وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورَسُوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله تَعَالى، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كَمَا يكره أن يقذف في النار) رواه البخاري ومسلم.
و عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم: (أن الله تَعَالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم: (أن رجلا ً زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله عَلَى مدرجته ملكًا، فلما أتى عَلَيْهِ قَالَ: أين تريد. قَالَ: أريد أخًا لي في هَذِهِ القرية. قَالَ: هل لك عَلَيْهِ من نعمة تربها. قَالَ: لا، غير أني أحببته في الله تَعَالى. قَالَ: فإني رَسُول الله إليك، أن الله تَعَالى قد أحبك، كَمَا أحببته فِيهِ) رواه مسلم. المدرجة: الطريق، وتربها: أي تقوم بها، وتسعى في صلاحها.
و عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قَالَ: سمعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (قَالَ اللهُ تَعَالى:(وجبت محبتي للمتحابين في، وللمتجالسين في، وللمتزاورين في، وللمتباذلين في) رواه مالك بإسناد صحيح
وعنه أيضًا قَالَ: سمعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (قَالَ اللهُ - عز وجل: المتحابون في جلالي، لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء) . رواه الترمذي وَقَالَ: حسن صحيح.
وعن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قَالَ: هم قوم تحابوا بنور الله، من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور، عَلَى منابر من نور، لا يخافون إِذَا خاف الناس، ولا يحزنون إِذَا حزن الناس ثم قرأ(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) رواه النسائي وابن