فهرس الكتاب
من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك، ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع... [1]
وبهذا يعلم أن مما يعد كفرًا ويلحق بإنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أن لا يقبل حكم الله تعالى، مع علمه بأنه حكم الله تعالى واعترافه به، فهو يأبى ويمتنع من قبول هذا الحكم، ولذا قال إسحاق بن راهويه:-"وقد أجمع العلماء أن من دفع شيئًا أنزله الله... وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر. [2] "فمناط الكفر - هاهنا - هو الترك والرد والإباء، لا عدم التصديق، ولهذا قرن الله تعالى في كتابه كفر التولي بكفر التكذيب؛ لأنه غيره كما قال سبحانه:- {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى 31} وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة، آية 31 , 32] . وقال تعالى:- {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى 15} الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل، آية 15 , 16] . [3]
3-والآن نورد بعض الاعتبارات التي جعلت إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة كفرًا وناقضًا من نواقض الإيمان:-
(أ) إن هذا الإنكار افتراء على الله سبحانه، ولا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جرمًا ممن أفترى على الله تعالى كذبًا، كما قال سبحانه:- {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام، آية 21]
ويقول عز وجل:- {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس، آية 17] .
(1) الصارم المسلول ص 521، 522، وانظر مجموع الفتاوى 20/ 96.
(2) التمهيد 4/ 226 = بتصرف يسير، وانظر فتاوى محمد رشيد رضا 5/ 1752.
(3) سيأتي الحديث مفصلًا إن شاء الله عن كفر الإعراض في الباب الثاني.