فهرس الكتاب
2-وإذا اتضح مفهوم إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، فإننا نشير إلى أن هذا الإنكار له عدة صور وأمثلة، فربما كان إنكارًا صريحًا ظاهرًا كأن يقول - مثلًا - بإنكار وجوب الصلاة أو الزكاة... أو يقول بحل الربا، أو الخمر... أو يقول بتحريم ما كان حلالًا بالإجماع كالخبز والماء ونحوهما...، وقد يكون الإنكار عن طريق تأويل فاسد غير سائغ تأباه اللغة العربية، كتأويل الباطنية القائلين أن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم والمحرمات أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، فقد أجمع العلماء على كفر أصحاب تلك المقالة [1] وكذلك ما يزعمه ملاحدة الصوفية أن من وصل إلى درجة اليقين فقد سقطت عنه التكاليف. [2]
ومما يلحق بهذا الإنكار - في الحكم بالكفر - أن يعترف شخص ما بهذا الحكم المعلوم من الدين بالضرورة... لكنه يعلن عدم قبوله لهذا الحكم، ويأبى أن يذعن لله تعالى، ويرفض الانقياد لهذا الحكم عنادًا واستكبارًا، وقد فصل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلًا شافيًا فقال:-
"إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه، أو أنه حرمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق. وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهو يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن"
(1) انظر الشفا لعياض 2/ 73.
(2) انظر المرجع السابق، وممجوع فتاوي ابن تيمية 5/ 82، 10/ 434، 435 , 149 - 237 والعبودية لابن تيمية ص 65، وأضواء البيان للشنقيطي 3/ 207.