فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 524

والثاني: - أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في"الصحيح"عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: -"إنما الطاعة في المعروف" [1] " [2] "

وأمر آخر وهو أن المحكوم بتلك القوانين راضيًا بها فهو كافر، لأن الراضي بالكفر كفاعله يدل على ذلك قوله تعالى: -

{وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا} [النساء، آية 140] .

يقول القرطبي: -"قوله تعالى: - {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} أي غير الكفر {إنكم إذًا مثلهم} فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر... [3] "

ويقول محمد رشيد رضا: -"إنكم إذًا مثلهم"هذا تعليل للنهي أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم، وشركاء لهم في كفرهم؛ لأنكم أقررتموهم عليه ورضيتموه لهم، ولا يجتمع الإيمان بالشيء، وإقرار الكفر والاستهزاء به ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر وهذا منصوص عليه أيضًا، وأن إنكار الشيء يمنع فُشّوه بين من ينكرونه حتمًا، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان، أو بين الطاعة والعصيان، فإن كثيرًا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات الله، ويستهزئون بالدين، ويقرهم على ذلك ويسكت لهم من لم يصل إلى درجة كفرهم، لضعف الإيمان والعياذ بالله تعالى. [4]

(1) أخرجه البخاري، ك الأحكام (13/ 122) ح (7145) ومسلم، ك الإمارة (3/ 1469) ح (1840) .

(2) مجموع الفتاوي 7/ 70.

(3) تفسير القرطبي 5/ 418، وانظر تفسير البيضاوي 1/ 251.

(4) تفسير المنار 5/ 464.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت