فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 524

يقول ابن رشد [1] -"فصل: - فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر، ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجري علينا أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك رحمه الله تعالى أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء، مريض الإيمان. [2] "

ومما حرره ابن حزم في هذه المسألة قوله: -"قد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه صلى الله عليه وسلم أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين [3] وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر، قال تعالى: - {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة، آية 71] ."

قال أبو محمد: - فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم. وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليه، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره. [4] ""

ويقول في موضع آخر: -"من لحق بأرض الشرك بغير ضرورة فهو محارب، هذا أقل أحواله إن سلم من الردة بنفس فراقه جماعة الإسلام، وانحيازه إلى أرض الشرك. [5] "

(1) أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي، فقيه، ولي الإفتاء والقضاء، صاحب عبادة وزهد، توفي سنة 520 هـ.

انظر: الديباج المذهب 2/ 248، وسير أعلام النبلاء 19/ 501.

(2) مقدمات ابن راشد 2/ 612 , 613.

(3) أخرجه أبو داود ح (2645) ، والترمذي ح (1605) ، وأورد الألباني في صحيح الجامع (1474) .

(4) المحلى 13/ 138، 139.

(5) المرجع السابق 13/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت