فهرس الكتاب
ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة، غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع فيهم الغلط العظيم المودي إلى هلاك المفتي، والسبب في ذلك أنه إذا قيل للفقيه ما هو السحر وما حقيقته حتى يقضي بوجوده على كفر فاعليه يعسر عليه ذلك جدًا، فإنك إذا قلت له السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفوس شيء واحد، وكلها سحر، أو بعض هذه الأمور سحر، وبعضها ليس بسحر، فإن قال: الكل سحر، يلزمه أن سورة الفاتحة سحر؛ لأنها رقية إجماعًا، وإن قال: لكل واحدة من هذه خاصية تختص بها، فيقال: بين لنا خصوص كل واحد منها، وما به تمتاز، وهذا لا يكاد يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا. وأنا طول عمري ما رأيت من يفرق بين هذه الأمور، فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معين أو بمباشرة شيء معين بناء على أن ذلك سحر، وهو لا يعرف السحر ما هو [1] ""
إلى أن قال: -"إن الكتب الموضوعة في السحر، وضع فيها هذا الاسم [السحر] على ما هو كذلك كفر ومحرم، وعلى ما ليس كذلك، وكذلك السحرة يطلق لفظ السحر على القسمين، فلابد من التعرض لبيان ذلك. [2] "
ثم قال أيضًا: -"وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يقطع بأنه كفر فيجب حينئذ التفصيل كما قال الشافعي رضي الله عنه، أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرًا كفر فصعب جدًا. [3] "
وصدق رحمه الله تعالى، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد للناظر في هذه المسألة أن يفصل ويميز ويفرق بين السحر الذي يعد كفرًا، وما ليس كذلك... وبهذا التفصيل والتمييز يزول الإشكال ويرتفع الخلاف كما سيأتي إن شاء الله.
3 -قبل أن نورد الخلاف، يجب أن نتذكر أن السحر - بمعناه الاصطلاحي - محرم بالكتاب والسنة والإجماع. [4]
(1) الفروق للقرافي 4/ 135
(2) المرجع السابق 4/ 137
(3) المرجع السابق 4/ 141
(4) انظر الفتاوى لابن تيمية 35/ 171، ومختصر الفتاوى المصرية ص 151، والإعلام للهيتمي ص 391، وحاشية ابن عابدين 4/ 240