فهرس الكتاب
ظاهرة بينه... لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط... ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويدعون الناس إلى ذلك ويعاقبونهم، ويكفرون من لم يجبهم، ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك..
وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: - القرآن مخلوق، كفرت بالله العظيم، بيّن له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد، لسعى في قتله. [1] ""
ولقد طبق ابن تيمية هذا المسلك، فكان يقول:"ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال [2] ."
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب [3] : _"ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها [4] ."
وبهذا يتضح لنا التكفير العام المطلق يجب القول بعمومه وإطلاقه، وأما الحكم على المعين بأنه كافر، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه، فالكفر من الوعيد الذي نطلق القول به، ولكن لا
(1) مجموع الفتاوى 23/ 348، 349 باختصار.
(2) مجموع الفتاوى 23/ 326
(3) هو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على التميمي، صاحب الحركة الإصلاحية المشهورة، كان عالما كبيرًا، رحل إلى عدة بلدان وله مؤلفات كثيرة، توفي بالدرعية سنة 1206 هـ
انظر: تاريخ ابن غنام، علماء نجد 1/ 25
(4) الدرر السنية 8/ 244.