فهرس الكتاب
"ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصًا متواترًا، ويزعم أنه مؤول، مثاله: ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطى العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحدًا في نفسه، وموجودًا، وعالمًا على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح؛ لأن حمل الوحدة على اتحاد الوحدة [1] ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلًا... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات. [2] "
كما يورد ابن الوزير أمثلة للتأويل المردود، مما لا يمكن أن يكون عذرًا لمن تلبس به فيقول:"لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار. [3] "
ويقول السعدي موضحًا تباين أهل البدع ممن تلبس بتأويل وشبهة: -"هؤلاء المبتدعة المخالفون لما ثبتت به النصوص الصريحة والصحيحة، أنهم في هذا الباب أنواع، من كان منهم عارفًا بأن بدعته مخالفة للكتاب والسنة فتبعها ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، وشاق الله ورسوله من بعد ما تبين له الحق، فهذا لا شك في تكفيره، ومن كان منهم راضيًا ببدعته معرضًا عن طلب الأدلة الشرعية، وطلب ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحق والباطل ناصرًا لها، رادًا ما جاء به الكتاب والسنة مع جهله وضلاله، واعتقاده أنه على الحق، فهذا ظالم فاسق بحسب تركه ما أوجب الله عليه، وتجرئه على ما حرم الله تعالى ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق واجتهد في ذلك، ولم يتيسر له من يبين له ذلك فأقام على ما هو عليه، ظانًا أنه صواب من القول، غير متجرىء على أهل الحق بقوله، ولا فعله، فهذا ربما كان مغفورًا له خطؤه والله أعلم. [4] "
(1) لعلها: إعطاء
(2) فيصل التفرقة ص 147
(3) إيثار الحق على الخلق ص 415 وانظر ص 129، والعواصم لابن الوزير 4/ 177
(4) الإرشاد في معرفة الأحكام ص 209، ولمعرفة أقوال العلماء _ تفصيلًا. في الحكم على المتأولين انظر الشفا لعياض 2/ 1051 _ 1065.