ويقول في موضع آخر: _"لازم قول الإنسان نوعان: _"
أحدهما: _"لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب."
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول، لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه.
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله. [1] ""
وقال الشاطبي: _(( ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضًا أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرر عليه، أنكره غاية الإنكار. [2]
وأورد السخاوي [3] مقالة شيخه ابن حجر حيث قال:"والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه.. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا. [4] "
(1) القواعد النورانية ص 129،128، وانظر مجموع الفتاوى 5/ 306، 477، وشرح نونية ابن القيم لابن عيسى 2/ 394، 395.
(2) الاعتصام 2/ 549
(3) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الشافعي، فقيه، مقرىء، محدث، مؤرخ ولد بالقاهرة سنة 831 هـ، وله مؤلفات كثيرة، توفي بالمدينة سنة 907 هـ
انظر: شذرات الذهب 8/ 15، والبدر الطالع 2/ 184
(4) فتح المغيث 1/ 334، وانظر العلم الشامخ للمقبلي ص 412