نواقض الإيمان القولية
قد تقرر أن الكفر قول وعمل، فقد يكون الكفر قولًا ظاهرًا باللسان، ولم يختلف أهل العلم بأن في القرآن التسمية بالكفر، والحكم بالكفر على من نطق بأقوال معلومة. [1]
فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى: _ {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة، آية 73] وقد غلا قوم إزاء تلك النواقض القولية، فلم يعتدوا بعوارض الأهلية التي اعتبرها الشارع كالخطأ والجهل ونحوهما.
ومنهم من كفر بلوازم الأقوال وما تؤول إليه، وإن كان المخالف ينكر ذلك اللازم، وفي هذا يقول ابن الوزير: _
"ومن أقبح التكفير ما كان منه مستندًا إلى وجه ينكره المخالف من أهل المذهب مثل تكفير الأشعرية [2] بالجبر الخالص الذي هو قول الجهمية الجبرية وهو ينكرونه والله تعالى يقول: _ {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء، آية 94] . [3] "وفي المقابل نجد آخرين قد تساهلوا وفرطوا، فعلقوا تلك النواقض بالاستحلال القلبي الذي لا يمكن الإطلاع عليه، وجعلوا تلك النواقض مجرد علامات على الكفر.
فسب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا ليس كفرًا إلا إذا استحل ذلك! وتمادى بعضهم فزعم أن من نطق بصريح الكفر عالمًا بذلك فإنه لا يكفر حتى يعتقد الكفر، فلم يكفروا النصارى القائلين إن الله ثالث ثلاثة _ ومع نص القرآن على كفرهم _ إلا بشرط أن يعتقدوا ذلك مع القول. [4]
(1) انظر المحلى لابن حزم 13/ 498
(2) الأشاعرة: _ فرقة كبيرة تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري (ت 324 هـ) ، وهم من أهل الإثبات مع تعطيل في الصفات، وإرجاء في الإيمان، واضطراب في باب القدر والنبوات. . . إلخ.
انظر: _ الملل والنحل 1/ 94، وأصول الدين لعبد القاهر البغدادي.
(3) إيثار الحق على الخلق ص 418.
(4) انظر تفصيلًا لذلك في المرجع السابق ص 418، 419، 437، 438