فهرس الكتاب
الأمر المطلق يفيد الوجوب:
انقسام علماء المسلمين في الأمر المطلق ماذا يعني؟
فقالت طائفة يفيد الإباحة فقط، وقال آخرون بل يفيد الندب لأنه أول منازل الالتزام، وقال آخرون بل نتوقف حتى نعرف الفرض من الأمر، وقالت الطائفة الرابعة وهو الحق أن الأمر المطلق أعنى الذي لم يقترن بتهديد أو وعيد إنما يفيد الوجوب، والدليل على ذلك ما يأتي:
أولًا: ورود الآيات والأحاديث الكثيرة التي تبين وجوب طاعة الله ورسوله بمجرد الأمر والتحذير عن مخالفة أوامر رسوله من حيث الجملة: كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} (لأنفال:20 - 21) .. ولا شك أن كل من سمع أمر الله ولم يطعه فقد أعرض عنه كما ذم الله من فعل ذلك من الأمم السابقة الذين قالوا سمعنا وعصينا.
ولا شك أن التخلف عن تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم يعتبر عصيانًا كما قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)
ومعلوم أن قوله تعالى هنا {أمره} أي أوامره أي فليحذر الذين يخالفون عن أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، وقد عرفنا كيف عاقب الله المسلمين عندما خالفوا أمرًا واحدًا للرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وكيف كان يغضب صلى الله عليه وسلم إذا خالف أحد أمره علمًا أن هذه الأوامر كانت مطلقة لم تقترن بتهديد أو وعيد أو لعن ونحو ذلك.
ثانيًا: لا شك أن كلام البلغاء والفصحاء يترفع أن يكون معه تهديد في كل أمر، ووعيد في كل نهي .. وإنما يكون هذا من حيث الجملة، ولا يتصور من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وسلم أنه كلما أمر أمرًا واجبًا أن يقرنه باللعن أو العذاب لمن خالفه.
ثالثًا: لا شك أيضًا أن الله لا يأمر إلا ليطاع، ولا يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم إلا ليُمتثل أمره، وإلا لتعطلت فوائد الأمر.
للأدلة السابقة كان الصحيح أن الأمر المطلق غير المقترن بتهديد أو وعيد يقتضي الوجوب أولًا، ولا يصرف عن الوجوب إلى الندب إلا إذا جاءت قرينة تدل على ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء] (رواه أحمد وأبو داود(1281 ) )
وكقوله في قصر الصوم المفروض على رمضان، والصلوات على الخمس، والحج على فرض واحد .. لمن سأله هل يجب على غيرها .. قال لا، إلا أن تطوع، فقوله صلى الله عليه وسلم: