وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد، فآمنا به. من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم". انتهى هذا الحديث الجليل. وقد رواه السيد الإمام أبو طالب - عليه السلام - في أماليه بسند آخر من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه [1] . عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بنحوه. ورواه أبو السعادات ابن الأثير في جامع الأصول من طريق ثالثة، من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - [2] . قال:"
(1) مارواه معاذ عن عليّ جاء في (مجمع الزوائد: 7/ 164)
(2) والمروي بطريق عمر تجده في"جامع الأصول: الحديث رقم (6232) ، لكنه ورد فيه عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وقال المحقق السيد عبد القادر الأرناؤط معلقًا"كذا في الأصل - أي: عن عبد الله بن عمر، وفي المطبوع: عمر بن الخطاب"ولم يرجح. وفيه اختلاف يسير عن رواية الإمام أبي طالب والترمذي، حيث جاء في هذه الرواية قول ابن عمر:"... نزل جبريل - عليه السلام - على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأخبره: أنها ستكون فتن، قال (أي: رسول الله لجبريل) :"فما المخرج منها يا جبريل؟"قال: كتاب الله ... الخ وقد أخرجه رزين وذكره ابن كثير في فضائل القرآن بمعناه عقب حديث= =الحارث من حديث عبد الله بن مسعود، وقال (أي: ابن كثير) : رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه"فضائل القرآن"وقال: هذا غريب من هذا الوجه.
وفي سنن الدارمي أورد الحديث في (2/ 523) برقم (3315) عن عبد الله وبدأه بقوله:"إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ..."وختمه بقوله: فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته ...".وأما باللفظ الذي معنا فقد أورده الدارميّ في الحديث رقم (3331) و (3332) . وقد علق المحققان عليه بقولهما:"رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب (14) ما جاء في فضل القرآن، حديث رقم (2906) 5/ 172 - 173. وأحمد في المسند (1/ 91) . وأبو داود الطاليسي وأبو بكر الأنباري في كتاب"الرد"له عن الحارث عن علي. كما في التذكرة للقرطبي ص (48) بتحقيقي. قال ابن كثير في فضائل القرآن (ص 11 - 12) :"لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة في عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث، فإنه إمام في القراءة. والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده (أي: لا من جهة روايته وصدقه) ، أما إنه تعمد الكذب في الحديث فلا والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه-، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه-"أ. هـ. والآية رقم 2 من سورة الجن.
قلت: وفي بعض الشروح حددت"فتنة الحديث أو الأحاديث"بأنها الافتتان برواية"الأحاديث"أو"السنن"عن تلاوة القرآن المجيد ودوام الرجوع إليه، وبعضهم حملها على الأحاديث والأخبار مطلقًا، ففي كل ذلك انشغال عن القرآن وقد يستفيد القائلون بذلك بأحاديث النهي عن كتابة السنن والتأكيد على عدم الانشغال بغير القرآن. (قال طه (-: ولكن الفرق كبير بين انشغال بأحاديث نبوية مرفوعة صحيحة تأتي على سبيل البيان بأنواعه للقرآن المجيد، وبين مطلق الحديث. وفرق كبير بين انشغال لطلب بيان والانشغال بها على سبيل الاستعاضة عن القرآن، والاكتفاء بها بحجَّة اشتمالها أو تضمنها للقرآن أو بأية حجة أخرى.
لقد استقرت المذاهب الفقهية في العهد الرابع من عهود الفقه وركدت حالة الاجتهاد المطلق، وعكف المقلدون على مذاهب الأئمة، والكتابة في مناقبهم، والعمل على ضم الناس إليهم كل إلى مذهبه وإمامه. وجعل بعضهم أقوال أولئك الأئمة مثل نصوص الشارع يدخلها التعارض والترجيح والنسخ وما إليها، ففي عصر الصحابة خاصة - عصر الشيخين - لم يشغلهم شيء عن كتاب الله، ولما انتهت سنة أربعين للهجرة برزت اتجاهات فقهية وبدأ الناس ينشغلون بها.
وحين كان عبد العزيز والد عمر واليًا سنة (83 هـ) فكر في جمع السنن، وهو مشروع استكمله ولده عمر بن عبد العزيز، لتكون السنن فقهًا بديلًا عن الفقه الخلافي يرجع الناس إليها لئلا تتفرق بهم السبل الفقهية، ولكن الكثيرين انشغلوا بالسنن عن القرآن المجيد بحجة اشتمالها عليه وارتباطها به، وجعلوا من السنن شواهد لأقوال أئمة الفقه، ثم انشغلوا بفقه الأئمة عن السنن، وصاروا يتداولون أقوال الأئمة ويفرعون عليها حتى بدا وكأن الشريعة هي أقوال هؤلاء الأئمة، بحيث سوغ الكرحنيُّ الحنفي لنفسه أن يقول:"كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي إما مؤولة أو منسوخة".
"أصل: واعلم أن كل حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو إما مؤول أو منسوخ"!! ومهما يقال في تأويل ذلك أو التخفيف منه فإنه قول جرئ يدل على أن التعصُّب للمذاهب قد بلغ مستوى مَرَضِيًّا بحيث صار الأصل= =تابعًا للفرع، بل محكومًا به. ولذلك فإن إعادة بناء الأمَّة واستئناف شهودها الحضاريّ وشهادتها على الناس لا يمكن أن تعود إليها ما لم تتجاوز هذه الإصابات الخطيرة، وترد الناس إلى القرآن المجيد مصدرًا منشئًا وكاشفًا عن الأحكام وغيرها مما تناوله أو تعلق به فقد أنزله الرحمن الرحيم {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 88) . وما اختلف فيه أو عليه لابد فيه من الرجوع إلى السنّة النبويّة التي صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- {لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} (النحل: 64) .
وعلى هذا فالمعنى الوارد في هذا الحديث أو الأثر معنى صحيح يشهد له صريح الكتاب وصحيح السنَّة. والله أعلم.