وهل فوق تعلم القرآن - تدارسا وتدبرا - عِلْمٌ أرقى؟ كلا قطعًا! وهذه شهادةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكمةٌ على مراتب الناس من سائر العلوم إلى يوم القيامة! قال عليه الصلاة والسلام: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ!) وله صيغة أخرى: (إنَّ أفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ!) [1] هكذا على العموم والإطلاق! فلا مجلس أفضل بعد ذلك؛ من (مجالس القرآن) التي نُصِبَتْ بإخلاص لهذه الغاية الرفيعة!
وأما بيان الشرط الثاني: فإن القرآن لا يستقيم سَيْرُ العَبْدِ بين مَسَالِكِهِ إلا إذا أخذه بقوة! ذلك منهج الأنبياء والصِّدِّيقِين. قال الله جل جلاله لرسوله موسى عليه السلام: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف:145) ، وقال لنبيه يحيى عليه السلام: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ!) (مريم:12) وقال لخاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل:5) . ثم قال له: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا!) (الكهف:27 - 28) .
فـ (الأخذ بقوة) هو: الأخذ بعزم وبحزم، والصبر على حمل الأمانة وثقل الرسالة! والصبر على طول الطريق! والثبات على الحق! فالشيطان لك بالمرصاد، يثبطك، ويبطئك عن المضي في طريق الله؛ فالصَّبْرَ الصَّبْرَ على دوام ذكر الله في صحبة الصالحين، ومَعِيَّةِ الربانيين، بمنهج القرآن، وبرنامج القرآن. وإنما الموفق من وفقه الله!
(1) رواه البخاري بالصيغتين معًا، عن عثمان رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.