وبعد،
فهذا مشروع القرآن الكريم بين يديك الآن .. وهذا طريقُه السيَّارٌ منفتحٌ على معراج الروح .. وحاجة النفس إلى بصائره مستصرخة مستغيثة! خاصة في هذا الزمان! إلا أن القرآن لا يفتح أبواب أسراره إلا لمن أقبل عليه بشروطه. وإنما شروطه أمران: إخلاص القصد لله تعالى، ثم أخذ الكتاب بقوة!
فأما بيان الشرط الأول: فبإخلاص القصد عند بدء السير إلى منازل القرآن، وبتحقيق الصدق في طلب مجالسه؛ يفتح الله لك أبواب الخير، ويمهد لك الطريق إلى الجنة، ويوكل بك ملائكة الرضى! وتأمل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَلَكَ طريقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا سَهَّلَ الله له به طريقًا إلى الجنَّة! وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتابَ الله، ويَتَدارَسُونَهُ بينهم إلا نَزَلَتْ عليهم السَّكينَةُ، وغَشِيَتْهُم الرَّحْمَةُ، وحَفَّتْهُم الملائِكَةُ، وذَكَرَهُم الله فيمَنْ عِنْدَهُ! ومَنْ أبْطَأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بهِ نَسَبُه!) [1] . وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (مَنْ سَلكَ طريقًا يطلب فيه عِلْمًا سَلَكَ الله بهِ طريقًا مِنْ طُرُقِ الجنَّة! وإنَّ الملائكةَ لَتَضَعُ أجنحَتَها لطالِبِ العِلْمِ رِضًا بما يَصْنَعُ! وإنَّ فَضْلَ العَالِمِ على العَابِدِ كفَضْلِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ علَى سائرِ الكَوَاكِبِ! وإنَّ العَالِمَ ليَسْتَغْفِرُ لهُ مًنْ في السَّماواتِ وَمَنْ في الأرْضِ! حتَّى الْحِيتَانُ في جَوْفِ الماء! إنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاء! وإنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينَارًا ولا دِرْهَمًا، وإنما وَرَّثُوا الْعِلْمَ! فمَنْ أخذَهُ فقَدْ أخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ!) [2] .
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، وفي تعليقاته على سننهم.